فهرس الكتاب
المنزلة إنَّ الرَّب لا يَرحم من لا يَرحم. وقال تعالى:"وَالصُّلْحُ خَيْرٌ" (النساء:128) . فقال ضرار: لعمري إنك لصادق! ولكن اشهدوا علي أنِّي لا أرحم من يجعل له زوجة وولدًا.
.عن واثلة بن الأسقع قال: كنت مع خالد بن الوليد في جيش دمشق، وكان قد جعلني مع ضرار بن الأزور في الخيل التي تجوب من باب شرقي إلى باب توما إلى باب السلامة إلى باب الجابية إلى باب الصغير إلى باب قيان إذ سمعنا صرير الباب وذلك قبل فتوح الشام وإذا به قد خرج منه فارس فتركناه حتى قرب منا فأخذناه قبضًا بالكف وقلنا: إن تكلمت قتلناك فسكت وإذا قد خرج فارس آخر قام على الباب وجعل ينادي بالذي قد أخذناه، فقلنا له: كلمه حتى يأتي. فرطن له بالرومية إن الطير في الشبكة فعلم أنه قد أسر فرجع وأغلق الباب. فأردنا قتله، فقال بعضنا: لا تقتلوه حتى نمضي به إلى خالد الأمير.
فأتينا به خالدًا، فلما نظر إليه قال له: من أنت؟ قال له: أنا من الروم وإنِّي تزوجت بجارية من قومي قبل نزولكم عليهم وكنت أحبها، فلما طال علينا حصاركم سألت أهلها أن يزفوها عليَّ فأبوا ذلك، وقالوا إن بنا شغلًا عن زفافك وكنت أحب أن ألقاها ولنا في المدينة ملاعب نلعب فيها فوعدتها أن نخرج إلى الملاعب فخرجت وتحدثنا فسألتني أن أخرج بها إلى خارج المدينة ففتحنا الباب وخرجت أنظر أخباركم فأخذني أصحابك فنادتني. فقلت: إن الطير وقع في الشبكة أحذرها منكم مخافة عليها ولو كان غيرها لهان عليَّ ذلك. فقال خالد: ما تقول في الإسلام؟ فقال: أشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله! فكان يقاتل معنا قتالًا شديدًا، فلما دخلنا المدينة صلحًا أقبل يطلب زوجته. فقيل له: إنها لبست ثياب الرهبانية فأقبل إليها وهي لا تعرفه. فقال لها: ما حملك على الرهبانية. قالت: حملني على ذلك أنِّي غررت بزوجي حتى أخذته العرب وترهبت حزنًا عليه. قال: أنا زوجك وقد دخلت في دين العرب. فلما سمعت ذلك قالت: وما تريد؟ قال: أن تكوني في الذِّمة. فقالت: وحق المسيح لا كان ذلك أبدًا وما لي إلى ذلك سبيل! وخرجت مع البطريق توما، فلما نظر إلى امتناعها أقبل إلى خالد بن الوليد فشكا له حاله.
فقال له خالد: إن أبا عبيدة فتح المدينة صلحًا ولا سبيل لك إليها! ولما علم أن خالدًا يسير وراء القوم قال: أسير معه لعلي أقع بها. وأقام خالد بدمشق إلى اليوم الرابع، ثم أقبل إليه يونس الدمشقي زوج الجارية وقال: أيها الأمير قد عزمت على المسير في طلب هذين اللعينين توما وهربيس وأخذ ما معهما؟ قال: بلى. فقال له: وما الذي أقعدك عن ذلك؟ قال: بعد القوم وبيننا وبينهم أربعة أيام بلياليها وهم يسيرون سير الخوف ما يمكن اللحاق بهم.