فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 200

ثانيهما: معرفة حكم الله في هذه الواقعة، أي يأتي بعد ذلك الحكم الشّرعي، ولا يمكن لأحدً أن يطلق حكمًا شرعيًا صحيحًا إلاّ إذا فهم الواقع فهمًا صحيحًا، فالخلق أوّلًا، ثمّ الشّرع، قال تعالى: {ألا له الخلق والأمر تبارك لله ربّ العالمين} الأعراف. وبعد أن يدرك تطابق الخلق والأمر لابدّ أن تصدر منه كلمات التّسبيح والتّعظيم والتّقديس، فيزداد يقينًا بحكمة الخالق، وتترسّخ مبادئه في حكمة الشّريعة حينئذٍ تخرج منه {تبارك لله ربّ العالمين} . صلى لله عليه وسلم فلو أننا قلنا إنّ السّياسي هو من أدرك الأمر الأوّل فقط (عالم الشّهادة) وغاب عنه الأمر الثّاني (معرفة حكم لله فيه) فإنّ هذا لن يكون سياسيّا مسلمًا، وستنطلق رؤاه في التّعامل مع الأمور على مبدأ المنفعة الّتي ليس لها ضابط سوى النّظر إلى الفرديّة الذاتية، أو الشّهوة الّتي يعود مآلها إلى فساد الحياة، وإذا قلنا إنّ الفقيه هو من أدرك الحكم الشّرعي دون معرفته بوقائع الحياة على ما هي عليه فسيكون علمه هذا حبيس ذهنه وعقله، وليس له من أمر الحياة شيء، حينئذٍ سيقتصر دوره على الوعظ الكنَسيّ الّذي يحتاجه النّاس يومًا في الأسبوع لتخرج منهم زفرات الضّيق ارتقابًا بانتهاء غثائيّة الشّيخ.

وعلى هذا فإنّ الفقيه لن يكون فقيهًا في ديننا ولا يسمّى فقيهًا وعالما إلا إذا كان سياسيًّا بكلّ ما تحمل هذه الكلمة من معنى ووقع على النّفوس، وعلى الشّباب المسلم أن يسقط من حسّه ومن احترامه من يقول: إنّ من السّياسة ترك السّياسة، لأنّه حين يكون كذلك، أي حين لا يكون سياسيّا لن يكون فقيهًا بل يكون شيخ جهلٍ وتجهيل، وعلى مثل هؤلاء الشّيوخ الجهلة يعتمد الطّاغوت في إمرار باطله على النّاس، وفي إصباغ الشّرعيّة على نفسه، فشيوخنا كمخدَّرات البيوت، يلقون على أنفسهم الحجاب، ويرفع حجابهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت