الحادية والسبعون:
التشنيع على المخالف في المسائل الاجتهادية
يقيمون معارك على مسائل خلافية ويحدث الهجر والتحذير بسببها، أتذكر أنه في رمضان كل سنة كانت تحدث معارك على مسألة صلاة التراويح كم عدد ركعاتها، وكان قبلها نختلف هل تجوز بالمساجد أم لا ثم نختلف بالدعاء في الوتر، وهكذا الاعتكاف هل يجوز أم لا يجوز إلا في الثلاثة المساجد، ثم معركة على خطبة العيدين، هل هي خطبة، أم خطبتان، وكل هذا يعقد عليه الولاء والبراء من الفريقين، بل كنا نعرف الحزبي الذي لا يجلس جلسة الاستراحة، أو لا يصلي إلى سترة إلى غير ذلك من المسائل الاجتهادية.
قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله في ابن راهوية:"لم يَعْبُرِ الجِسْر إلى خراسان مثل إسحاق، فإن كان يخالفنا في أشياء؛ فإن الناس لم يزل يخالف بعضهم بعضًا"
قال ابن عبدالبر - رحمه الله- في"جامع بيان العلم وفضله" (2/ 80) :"عن يحيى بن سعيد الأنصاري أنه قال: ما برح أولو الفتوى يُفتون، فيُحلُّ هذا، ويُحَرِّم هذا، فلا يرى المحرِّم أن المحِلَّ هَلَكَ لتحليله، ولا يرى المُحِلُّ أن المحَرِّم هَلَكَ لتحريمه"اهـ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله- كما في"مجموع الفتاوى" (30/ 80) :"وكذلك قال غير مالك من الأئمة: ليس للفقيه أن يحمل الناس على مذهبه، ولهذا قال العلماء المصنِّفون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أصحاب الشافعي وغيره: إن مثل هذه المسائل الاجتهادية لا تُنكر باليد، وليس لأحد أن يُلْزم الناس باتباعه فيها، ولكن يتكلم فيها بالحجج العلمية،"