فهرس الكتاب

الصفحة 279 من 604

ومَنْ مِنَ الناس يحب أن يحمل هذا الحمل الثقيل؟ من يريد أن يحمل مسؤولية الإمارة ومن سيدفع الثمن يوم القيامة؟ ومن خرج بالإمارة اليوم سيندم عليها يوم القيامة كما قال - صلى الله عليه وسلم:"إنكم ستحرصون على الإمارة وستكون ندامة يوم القيامة" [1] ونحن نرى مدى الحرص على الإمارة بين الناس حتى وصل الأمر إلى حد الاقتتال والتناحر وشن الحروب مع أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول:"إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار" [2] ، وإن في القتال على الإمارة ضياع لمصالح وحدة الأمة وتقديم لمصالح النفس على مصالح الأمة ولولا حرص الناس على الإمارة لما رأينا عشرات الزعماء والرؤساء في بلاد الإسلام وكلهم يبغض بعضهم بعضا ويلعن بعضهم بعضا ولكنهم متفقون على شيء واحد هو إرضاء أسيادهم من الأمريكان واليهود وقمع شعوبهم ... وإن مسألة طلب القيادة والسعي إلى الرياسة هي أمر منبوذ وطلب غير مقبول وسؤالها والسعي إليها دليل على عدم صدق صاحبها، فعن أبي موسى قال: دخلت على النبي - صلى الله عليه وسلم - أنا ورجل من بني عمي فقال أحدهم: يا رسول الله أمِّرْنا على بعض ما ولاك الله وقال الآخر مثل ذلك فقال:"إنا والله لا نولي هذا العمل أحدا سأله أو أحدا حرص عليه" [3] ، وإن الجندي الموحد لا بد وأن يُطهر قلبه من الأمراض التي تحبط العمل وذلك بأن يصحح انتمائه لأن الله تعالى لا يقبل إلا ما كان له خالصا وأُريدَ به وجهه وإنّ السعي إلى الزعامة والصدارة وحب الظهور والمناصب والمغانم الدنيوية لهي دليل على ضعف الانتماء للدعوة وقلة الإخلاص لله تعالى والقيادة في جيش التوحيد تكليف لا تشريف وهي مسؤولية عظيمة وأمانة كبيرة وكلما كانت الإمارة اكبر كانت المسؤولية أعظم ... وإذا ضعف الانتماء تحولت الجندية إلى وظيفة والموظف يبحث عن المناصب والترقيات لكي يتطور في وظيفته وهو يبحث عن المناصب بكل وسيلة وبكل قوة فإذا بحث الجندي عن المناصب صار موظفا والتجنيد في ديننا ليس وظيفة إنما هو عبادة وعقيدة وجهاد ومن أراد الدار الآخرة استغنى عن الدنيا وملذاتها ومناصبها ووزاراتها ... وإذا ضعف انتماء الجندي تمسك بأي منصب وصار يدافع عنه بدلا من أن يدافع عن دينه وأمته وصار عبدًا للكراسي بدلا من أن يكون عبدًا لله تعالى وإذا نُحِّيَ عن منصبه الذي هو فيه تمرد ولم يرضَ بغير القيادة وفي ذلك يقول الدكتور محمد نوح:"وذلك أن الواقع قد شهد بأن بعض الناس حين يكون في موقع القيادة ولسبب أو لآخر يُرد إلى موقع الجندية تكبر عليه نفسه لا سيما إذا نظر إلى القيادة على أنها تشريف لا تكليف وغنائم لا تبعات وحينئذ لا يكون منه إلا القعود والتخلي عن أداء الواجب وقد شاهدت بعيني رأسي شابا نشطا عاملا لدين الله، وبلغ به نشاطه أن كانت له حلقة علمية يحضرها كثيرون ولسبب أو لآخر طُلب منه أن يكون تلميذا لا أستاذا، جنديا لا قائدا فورم أنفه وشرق بريقه وقعد عن العمل لدين الله وترك الواجبات المنوطة به وحين فوتح في ذلك أجاب بأن الجندية خنق وقتل للمرء والقيادة حرية وانطلاق فكيف تضيع مني القيادة وأرضى بالجندية وبينهما من الفرق ما بينهما فكان الرد على الفور: رحم الله أبا سليمان خالد بن الوليد فقد جاءه كتاب العزل من أمير المؤمنين عمر لمصلحة رآها عمر وكان هو القائد المظفر فنفذ ما في الكتاب وكله فرح وسرور وأخذ مكانه جنديا بين الجنود وقال مقولته المشهورة:"والله لو ولى علي عمر عبدا أسود اللون لسمعت وأطعت ما دام يقودني بكتاب الله" [4] ، ولو صدق الانتماء إلى الدعوة لقل المتساقطون على"

(1) البخاري.

(2) متفق عليه.

(3) رواه الشيخان.

(4) ماذا يعني انتمائي لدعوة ص 130 - 133.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت