إنّ كلمة الفقه تعني الفهم وهذا ما أريده هنا فليس المراد هو البحث عن التعريفات الأصولية والتفريعات المنبثقة عنها ... إنما المراد هو المعنى اللغوي والذي من خلاله نستطيع أن ندرك أنّ الفهم لابد وأن يسبق أي عمل سواء أكان العمل أمرًا شرعيًا أو عملًا دنيويًا، لأن من يعمل دون أن يفهم يقع في أخطاء كبيرة لا يمكن حصرها في كثير من الأحيان، فكيف إذا كان الأمر يتعلق بالتجنيد الذي قد يدفع الجندي فيه روحه أو عضوًا من أعضائه ألا يحتاج الأمر إلى فهمٍ وفقهٍ ودرايةٍ وإدراكٍ لطبيعةِ المهمةِ قبل القيام بها ... والجنديةُ لغةً مأخوذةٌ من كلمةِ الجند، والجند هم الأعوان والأنصار والمدافعون والمقاتلون والمؤازرون وغيرها من معاني النصرة ... ولكنَّ السؤال المهم هنا هو لمن تكون تلك المناصرة؟ وعمن تكون تلك المدافعة؟ وفي أي جيش يمكن أن نكون جنودًا؟ وكيف يمكن التمييز بين جندية الحق وجندية الباطل؟ وغيرها من الأسئلة الملمة والمهمة والتي يجب أن يجيب عليها الجندي قبل تجنيده حتى يفهم حقيقة العمل الذي سيقدم عليه وإلى أين سيذهب؟ وعلى ذلك جاء الارتباط بين الجندية والفقه أي أنَّ الجندية تحتاج إلى فهم بطبيعتها وشروطها ومواصفاتها ونوعيتها قبل التجنيد وإن لم يحدث ذلك كان ذلك الجندي غبيًا يمكن أن يخسر كل شيء في أيَّةِ لحظة ...
الجندية بين الواقع والمأمول:
إن الناظر إلى أحوال الجنود في هذا الزمان ليرى العجب العجاب خاصة في البلاد العربية والإسلامية وأقصد هنا الشعوب المسلمة فالحكومات قد طلَّقت الحكم بالشريعة طلاقًا بائنًا منذ زمن بعيد ... أنظر أخي من حولك إلى تلك الجيوش وإلى هؤلاء الجنود كيف يقومون بالعروض العسكرية أثناء الاحتفالات الرسمية أو ما يسمى بعيد الاستقلال، وهو في الحقيقة ليس عيدًا للاستقلال إنما هو نكسة انتقلت السلطة فيه من محتل أجنبي إلى محتلٍ من أبناء جلدتنا لكي تبقى النتيجة واحدة وهي عدم تحكيم الشريعة ... آلاف الجنود وآلاف القطع الحربية والطائرات من كافه الأنواع والصواريخ من كل الأشكال والألوان تشارك في تلك العروض، هذا بالإضافة إلى كتائب الموسيقى العسكرية والحركات المنضبطة والألبسة المختلفة ... ثم انظر إلى جوانب الاحتفال لترى آلاف الجنود يحرسون الزعيم وهو ما يسمى اليوم"الحرس الرئاسي"وفي الحقيقة إنّ الجيش كله يهدف إلى حماية الزعيم والنظام فكل جيوش المنطقة تعمل ليلا و نهارًا وبكل الوسائل من أجل حماية الأنظمة المرتدة عن تحكيم الشريعة، هذه وظيفتها وهذا دورها ... جيوش مدججة بالسلاح من أجل الصد عن سبيل الله وعن تحكيم كتاب الله ومن الأمور المركزية التي يتربى عليها هؤلاء الجنود هي حب الزعيم والنظام أكثر من أي شيء آخر وهذا مشاهد وبيِّنٌ من خلال النظر إلى طول عمر تلك الأنظمة وإخلاص جيوشها في حمايتها ... .ثم ننتقل إلى أجهزة الأمن الأخرى لنرى جهاز المخابرات يتربع على رأسها وهو من أكثر الأجهزة فتكًا وظلمًا وعدوانًا وقهرًا للشعوب فهم ينتشرون في كل مكان تقريبًا ويراقبون معظم التحركات ويتابعون الخلايا الإرهابية على حد زعمهم ويستأصلون أي معارض للنظام ويرعبون الشعوب بكثرة الإجرام والتعذيب والزنازين والإعدامات حتى صارت كلمة مخابرات كابوسًا يطارد المطلوبين ويرغم الشعوب على السكوت والويل والثبور لمن وقع في أيديهم عليهم من الله ما يستحقون ... ثم يأتي حرس الحدود الذين يعملون ليلًا و نهارًا ليس لحماية حدود دولتهم ولكن لحماية