لقد كان العالم قبل بعثة النبي - صلى الله عليه وسلم - جيفة في حضن صنم وجثّة هامدة تحت أقدام وثن، جباه معفرة للات والعزّى وأنوف مذعنة لمناة الثالثة الأخرى، قبائل متناحرة يأكل القوي منها الضعيف ويسلب فيها الغني الفقير وتنتشر فيها الفواحش وتكثر فيها المظالم، أصنام تنتشر حول الكعبة، عبادة لغير الله تعإلى، شرك متغلغل في تلك المجتمعات، ظلمات تعلوها ظلمات تحدّها من كل الجوانب ظلمات قال تعالى: {ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} النور:40، خلق تائهون وعبّاد مشركون وأصنام يعبدون وشياطين يوسوسون، كان الشرك يصول ويجول وكانت الأصنام تنشر الظلام وكان التوحيد مغيبًا عن المشهد، كانت الأرض غارقة بالشرك وملوثة بمياه الشرك، كان الماء والهواء ملوثًا والأرض أيضًا ملوثة، مئات الآلهة المصنوعة تُعبد من دون الله في أرض الله، في أعظم المقدسات وأطهر الأماكن عند الله في الكعبة المشرفة في المكان الذي قال الله عنه {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} آل عمران:96 - 97، في ذلك المكان الطاهر في تلك البقعة المباركة تتعإلى صرخات الكعبة تستغيث تطلب النجدة تريد التخلص من هذه الأصنام المنتشرة حولها، مئات الأصنام والأوثان تحيط بها من كل جانب، الشرك يحيط بأطهر بقاع الأرض وأقدسها، تنادي على الموحدين لكي يدافعوا عنها، تبحث عن أبنائها وجنودها، تبحث عن أحفاد إبراهيم - عليه السلام - الذي بنى الكعبة لكي يُعبد الله تعإلى بجوارها وليس لكي تعبد هذه الحجارة التي تتطفل على هذا المكان الطاهر، هي الحرب المستمرة إذًا، هي الحرب التي ابتدأت في زمن نوحِ - عليه السلام - قائد المعركة الأولى بين التوحيد والشرك مرورًا بإبراهيم - عليه السلام - النبي الأمة الذي دافع عن التوحيد بكل قوة ودفع أثمانًا كبيرة في حربه مع الشرك، ومرورًا بكل الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام الذين حملوا لواء التوحيد ودافعوا عنها من خلال معاركهم الطويلة مع جنود إبليس، آلاف الأنبياء والرسل الله تعإلى أعلم بعددهم وما فعلوه من أجل الدفاع عن التوحيد منهم من قُتل ومنهم من ذبح ومنهم من سُجن ومنهم من طورد، يقول ابن القيم رحمه الله:"يا ضعيف العزم إن الطريق - أي طريق الله- شاخ فيه نوح وذبح فيه يحيى ونشر في زكريا بالمناشير وألقي في النار إبراهيم وعُذّب فيه محمد - صلى الله عليه وسلم - وأنت تريد الإسلام السهل الذي يأتيك إلى قدميك"، هذه طريقة السائرون فيها بذلوا الغالي والنفيس من أجل حمايتها وإيصالها إلينا، هي طريق عزيزة تأبى إلا أن يكون جنودها أعزاء وكرماء ومن الأتقياء. هي طريق تساقط فيها من تساقط وتراجع فيها من تراجع ولكنها بقيت محافظة على نفسها لأنها طريق حق وأهلها أهل حق، إلى كل سائر على هذه الطريق أقول له: أتشعر بالوحدة؟ أتشعر بالغربة؟ أتشعر أنك تسبح ضد التيار؟ أتشعر أن الليل من شدة الظلم بدأ يتحول إلى نهار، ألا يكفيك شرفًا أنك تسير على خط الأنبياء؟ هم خير الخلق الذين اختارهم الله تعإلى لحمل الرسالة ولرفع الراية ولقيادة الجيش الذي تتجنّد فيه أم أنك ترى من حولك جيوش إبليس تتجول