والهمّة العالية فهما النجاة لكلِّ من أراد النجاة ... أخي الجندي إن هممت فبادر وإن عزمت فثابر واعلم أنّه لا يدرك المفاخر من رضي بالصف الآخر ومن تَرَفَّهَ وقت العمل ندم وقت توزيع الأجر وكما قال شاعر:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم ... وتأتي على قدر الكرام المكارم
إخواني في الله الهمّة الهمّة والعزيمة العزيمة في كل شيء نافع وإنّ الكلام ليطول في هذا الشرط العظيم من شروط جيش التوحيد ولولا الخوف من الإطالة لكتبت كثيرًا في هذا الشرط نظرًا لأهميّته والحاجة إليه فأرجو المعذرة على الزلل أو الخلل أو الخطأ غير المقصود وأنصح إخواني بقراءة الكتب المتوفرة في هذا الباب خاصة كتاب"صلاح الأمّة في علو الهمّة"، فهو كتاب رائع وإنّي أحاول الحصول عليه ولكن ظروف السجن تحول دون ذلك ولكن قرأته سابقا ووجدته كتابا نافعا و كتاب"لا تحزن"وكتاب"حدائق ذات بهجة"فهي كتب نافعة وقد استعنت بها وذكرت منها أثناء الكتابة وأرجو المعذرة مرة أخرى لقلة التوفيق والتخريج ولكن الظروف الصعبة حتى وأنا اكتب في هذه الصفحات جاء العدو للتفتيش وعندما دخلوا زنزانتي قمت بإخفاء ما كتبت خوفا من المصادرة وأثناء التفتيش أمسك احدهم بالأوراق قلت يا ربّ لا تضيع تعبي وسهري على هذه الأوراق أو بهذا المعنى تقريبا فأرجعها الشُّرطيُّ بفضل الله تعالى والحمد لله أولا وآخرا.
هذا الجمع المبارك من جنود التوحيد والجهاد هو جمع متميز عن غيره من التجمعات ومتميز عن الجنود الآخرين فهو متميز بعقيدته وهو متميز بولائه وهو متميز برايته وبرؤيته وبأهدافه، وعند الحديث عن الرؤية والراية لا بد من الحديث عن كل واحدة بشكل منفرد مع أنّهما ذكرا هنا في شرط واحد وذلك بسبب شدّة القرب بينهما وبسبب ارتباط كل واحدة منهما بالأخرى هذا بشكل عام ولكن عند الشرح والتفصيل والبيان والتوضيح فالأولى أن يكون الحديث عن كل واحدةِ بشكل منفرد حتى تكون المفاهيم والأفكار المراد توضيحها أكثر فائدة وأنفع لمن أراد النفع والفائدة وإذا كان الحديث هنا يدور عن الوضوح فالأصل أن يكون الشرح واضحًا والكلام شديد البيان حتى يتوافق المضمون مع العنوان، وأبدأ الحديث هنا بالأولى منهما ألا وهي وضوح الرؤية وليس المقصود هنا الرؤية البصرية بالعين وإنّما المقصود هو الرؤية القلبية والعقلية والفكرية والمنهجية ولقد ضرب الله تعالى لذلك أمثلة في القرآن الكريم فقال تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} الحج: 46، يقول القرطبي في تفسير هذه الآية:"لا تَعْمَى الأبْصَارُ"أي أبصار العيون ثابتة لهم"ولكن تعمى القلوب التي في الصدور"أي عن درك الحق والاعتبار، وقال قتادة: البصر الناظر جُعِل بُلغةً ومنفعةً والبصر النافع في القلب، وقال مجاهد: لكلّ عين أربع أعين، يعني لكل إنسان أربع أعين: عينان في رأسه لدنياه وعينان في قلبه لآخرته، فإن عميت عينا رأسه وأبصرت عينا قلبه فلم يَضُرَّه عَمَاه شيئًا، وإن أبصرت عينا رأسه وعميت عينا قلبه فلم ينفعه نظره شيئا ً ..." [1] . إنّ العمى الحقيقيّ هو عمى القلوب فأيّ قلب لم يبصر نور الإيمان فهو قلب مظلم يسكنه ظلام الشرك ويسوده"
(1) تفسير القرطبي ج 7 ص 125.