فهرس الكتاب

الصفحة 72 من 604

فراغ قاتل ويعلوه شرّ عظيم وهو على خطر جسيم هو في الحقيقة قلب مريض {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} البقرة: 10، هو في الحقيقة قلب ميت يقول - صلى الله عليه وسلم -"مثل الذي يذكر ربّه والذي لا يذكر ربّه مثل الحيّ والميّت" [1] حتى لو جرت الدماء فيه ووصله الأكسجين وكان ينبض فهو قلب - إن لم يذكر الله - ميّت كما أنَّ هناك أموات أحياء كذلك فإنّ هناك قلوب ميّتة وهي حيّة يقول تعالى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} الأنعام: 122، يقول ابن كثير في تفسير هذه الآية:"هذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمن الذي كان ميتًا أي: في الضلالة هالكًا حائرا فأحياه الله أي: أحيا قلبه بالإيمان وهداه ووفّقه لإتّباع رسله ... {كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ} أي: الجهالات والأهواء والضلالات المتفرقة، {لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا} أي: لا يهتدي الى منقذ ولا مخلّص مما هو فيه ... وزعم بعضهم أنَّ المراد بهذا المثل رجلان معيّنان، فقيل: عمر بن الخطاب هو الذي كان ميتا ً فأحياه الله وجعل له نورا ً يمشي به في الناس، وقيل: عمار بن ياسر وأمّا الذي في الظلمات ليس بخارج منها أبو جهل عمرو بن هشام لعنه الله والصحيح أنَّ الآية عامة يدخل فيها كلّ مؤمن وكافر ..." [2] ، فهل يستوي الحي والميت؟ أم هل يستوي المؤمن والكافر؟ فكم من أناس أموات يعيشون بين الأحياء وكم من ميّت يأكل ويشرب ويتزوج ويمشي بدون أن يكون حيًا. كما قال تعالى: {وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (19) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (20) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (21) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ} فاطر: 19 - 22، يقول ابن كثير في تفسير هذه الآيات:"يقول تعالى كما لا تستوي هذه الأشياء المتباينة المختلفة كالأعمى والبصير لا يستويان بل بينهما فرق وبون كثير وكما لا تستوي الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور كذلك لا تستوي الأحياء ولا الأموات وهذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمنين وهم الأحياء وللكافرين وهم الأموات ... ." [3] ، إنّ نور التوحيد إن لم يستقرّ في سويداء القلب ويمشي مع الدم لكي يصل إلى كل عضو من الأعضاء فتنتفض تلك الأعضاء مكبّرة ومسبّذحة وشاكرة وباكية وقائمة وصائمة فما هذا القلب وكيف يعيش هذا القلب؟ وكيف تتحرك الأطراف؟ ما هو الوقود الذي يحركها؟ إن لم يتحرك الإنسان بمحرك التوحيد فبأي محرك سيتحرك وبأي قلب سيعيش؟ لقد ضرب الله تعالى في القرآن الكريم أمثله كثيرة عن الكفّار والمنافقين اذكر منها قوله تعالى: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (17) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ} البقرة: 17 - 18، هذه الآية الكريمة تبين أنَّ النور هو الإيمان الذي لم ينتفع به المنافق والعياذ بالله، يقول ابن كثير رحمه الله"... والتشبيه ههنا في غاية الصحّة، لأنّهم بإيمانهم اكتسبوا أولا نورًا ثم بنفاقهم ثانيًا أبطلوا ذلك فوقعوا في حيرة عظيمة فإنّه لا حيرة أعظم من حيرة الدين ..."هذه صفة المنافقين كانوا قد آمنوا حتى أضاء الإيمان في قلوبهم، كما أضاءت النار لهؤلاء الذين استوقدوا نارًا ثم كفروا فذهب الله بنورهم فانتزعه كما ذهب بضوء هذه النار فتركهم في ظلمات لا يبصرون ..." [4] ، نار تضيء فتنير ما حولها ثم فجأة انطفأت"

(1) البخاري ومسلم.

(2) ابن كثير - خ 2 - ص 693 - 694.

(3) ابن كثير ج 2 - ص 1541.

(4) ابن كثير ج 1 - ص 57 - 58.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت