الطريق ولغاب المنافقون عن المسير ولاستمرَّت الدعوة تشق طريقها نحو تحقيق أهدافها بخطى ثابتة بدون تدخل لهؤلاء المنتفعين من هذا الإنتماء فصار انتماء بعض الجنود لجيشهم هو انتماء مصالح ورواتب ورتب ومظاهر وبرامج تلفزيونية يظهر فيها القائد المظفر لكي يتحدث عن إنجازاته ولكي يتمتع بتلك القيادة ... فصدْق الانتماء والتجرد من الشهوات والحظوظ النفسية تجعل المسلم في أي مكان كان يعمل بجد ونشاط وإخلاص سواء أكان جنديا أم قائدا وسواء أكان برتبة أم بدون رتبة فهو جندي مجهول هنا، معلوم هناك عند ربه لأنه يستوي عنده بين أن يكون في المقدمة أو في المؤخرة ... هو جندي فريد من نوعه بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى ثم تخيل قائدا يحب القيادة والزعامة أكثر من حبه لجنوده؟ وكيف يستلم القيادة من سعى إليها وقدمها على مصلحة دينه وأمته؟ وإن الناظر إلى أحوال السلف ليرى كيف كان هربهم من الزعامة وتولي المناصب ومن تولاها منهم فقد تولاها على غير رغبة منه لأنهم علموا أن الزعامة فتنة ومفسدة للدين والمُشََاهَدُ في الواقع الحاضر والتاريخ الماضي ليثبت ذلك فكم من رجل متدين تولى أحد المناصب فانقلب على عقبيه خسر الدنيا والآخرة وكم من عالم مجاهد تولى بعض المناصب فصار مداهنا للحاكم ومدافعا عن السلطان والنظام ومعاديا لأولياء الله تعالى لذلك كانت المناصب فتنة والكراسي بلية لا يحافظ على دينه بعد توليها إلا أهل التقى والإيمان لأن كثيرا من القادة سقطوا في الامتحان وجلسوا على الكراسي بغير مخافة الرحمن فصاروا أعوانا للشيطان وجندا للصدِّ عن سبيل الله ودعاة للعصيان وإن الناظر إلى أحوال قادة هذا الزمان ليرى الحكام صاروا غلمانًا باعوا الدين والأمة بأرخص الأثمان تنازلوا عن العرض والمال والأوطان فغابت عن بلادنا الحمائم ونعقت الغربان سقطت الفرسان وصارت هذه الأيام للحملان عادت عبادة الأوثان وعُلِّقَ الشهداءُ في الميدان وتحكم فينا الوغد الجبان وصارت الأمة مصلوبة بلا أكفان بلا سكن بلا وطن بلا سلطان ولكن سيعود للأمة الأمن والأمان ستعود رايات الإيمان سيعود زمن العزة سينتهي زمن الهوان ستعود الخلافة سيعود العنوان ... أسأل الله تعالى أن يكون قريبا ذاك الزمان.
إن مبدأ الجندية أساسا يقوم على الطاعة ولولا السمع والطاعة لما كان للجندية من معنى ولا للتجنيد أهمية ونحن بدورنا كجنود ننتمي أو نريد الانتماء إلى جيش التوحيد يجب أن نتمثل أمر الله تعالى {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} النساء: 59، وقد أوجب الله تعالى علينا تعيين أمير فلا يجوز أن يكون جيش بدون أمير أو جماعة بدون أمير أو دولة بدون أمير أو حتى في الأمور البسيطة كالسفر وغيره لا بد وأن يكون هناك أمير كما ... قال - صلى الله عليه وسلم:"إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا عليهم احدهم" [1] ، فإذا كانت الإمارة واجبة في الأمر العارض الذي سرعان ما ينتهي فكيف بالأمر العظيم كالدولة أو الأمة أو الجيش يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"يجب أن يعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين بل لا قيام للدين ولا للدنيا إلا بها ..."وأن الجندي
(1) (رواه أبو داود وحسنه الألباني.