فهرس الكتاب

الصفحة 281 من 604

الذي ينتمي للإسلام لا بد له من قائد في أي ميدان من ميادين العمل ففي مجال الدعوة لا بد من أمير وفي ساحات الجهاد لا بد من أمير وفي كل الميادين كذلك وإن حديثنا السابق عن ترك السعي للزعامة والإمارة لا يعني أن يبقى الجيش بدون أمير ولكن المقصود أن لا يسعى الجندي إلى الإمارة وهي تعطى لمن رغب عنها ولم يطلبها كما جاء في الأدلة السابقة ... وأن وجوب التأمير والحاجة إلى الإمارة يستلزم من الجنود الطاعة فلا تنفع إمارة بدون طاعة وطاعة الأمير أو القائد مبنية على أساس طاعة الله والرسول فمن أطاع الله ورسوله والتزم بما جاء به الإسلام فسيكون أمر طاعته لأميره سهلا لأن طاعة الأمير من طاعة الله ورسوله كما قال - صلى الله عليه وسلم:"من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله ومن يطعِ الأمير فقد أطاعني ومن يعصِ الأمير فقد عصاني" [1] ، فطاعة الأمير هي طاعة لله تعالى ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - وإنّ طاعة الأمير عبادة لله تعالى وقوة للجماعة ونصر للجيش وقهر للعدو وقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بطاعة الأمير، فعن أنس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة" [2] ، فلا تقوم طاعة الأمير على القرابة أو الحب أو النسب أو المنصب أو القوة وإنما هي استجابة لأمر الله وأمر نبيه - صلى الله عليه وسلم - بصرف النظر عن حب الأمير ونسبه وشكله ولكن الشرط واضح في ذلك كما جاء في رواية أخرى:"اسمعوا وأطيعوا ولو استعمل عليكم عبد يقودكم بكتاب الله" [3] ، أي أن المسألة مرتبطة بمدى تمسك الأمير بالكتاب والسنة وليست المسألة شخصية أو حزبية أو قبلية أو شكلية أو مصلحية وهي كذلك ليست مزاجية و تابعة للأهواء فإن كان مزاجي جيدا أطعت أميري و إن كان غير ذلك عصيته، فعن عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - قال:"دعانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبايعناه فقال فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا وألا ننازع الأمر أهله قال:"إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان ..." [4] ، قال ابن حجر في قوله:"في منشطنا ومكرهنا"، أي في حالة نشاطنا وفي الحالة التي نكون فيها عاجزين عن العمل بما نؤمر به [5] ... أي أن طاعة الأمير تكون على جميع الأحوال وفي جميع الأوقات سواء أكان المرء راغبا أم على غير رغبة منه ما دام أَمْرُ الأمير ليس في معصية كانت الطاعة واجبة وإن الناظر إلى واقعنا ليرى العجب العجاب خاصة فيما يتعلق بطاعة الأمراء داخل الحركات الإسلامية والحركات الجهادية فمعظم أبناء الحركة قادة وزعماء وأمراء وكل من جمع حوله بعض المسلمين صار قائدا ومسؤولا ويصدر الأوامر وعلى الجميع الطاعة فهو يأمر ولا يؤمر وهو يطلب من الآخرين ولا يطلب منه شيء وهذا ما يعرف اليوم بمرض التمرد والانشقاق عند أي خلاف مع القيادة فينشق الصف وتتفرق الجماعة وتضعف القوة وتتغير الأهداف ويتحول المسار ويتأخر النصر إن لم تأت الهزيمة بعد ذلك كما قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} الأنفال: 46، هذه الآية الكريمة ذكرت بعض مظاهر التفرق والخلاف والعصيان وإذا تعددت الرؤوس كثرت الأوامر واختلفت الأهواء كما قال تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} الأنبياء: 22، وإن تاريخ الأمة لهو تاريخ مشرق في عالم الطاعة والالتزام فقد ذكر ابن كثير رحمه الله أن أبا بكر - رضي الله عنه - كتب إلى"

(1) متفق عليه.

(2) رواه البخاري.

(3) رواه مسلم.

(4) متفق عليه.

(5) فتح الباري ج 13 - ص 6 - 8

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت