عمرو بن العاص يستنفره إلى الشام ... فكتب له عمرو: إني سهم من سهام الإسلام وأنت عبد الله الرامي بها والجامع لها فانظر أشدها وأخشاها فارم بي فيها ... وكتب كذلك إلى الوليد بن عقبة بمثل ذلك ورد عليه مثله [1] ، وذلك الكلام لا يخرج إلا من جنود مخلصين وقادة عظماء وأناس كلهم طاعةً لقادتهم والتزاما بأوامر وطلبات من هم أعلى منهم من أمرائهم وقادتهم فكانوا سهاما للإسلام وكان الخليفة هو الذي يرمي ذلك السهم تخيل من حبهم للجندية في هذا الدين صاروا له سهاما واختاروا أصعب المواقع وأشدها قوة من كثرة إخلاصهم وحبهم لدينهم وطاعتهم لقادتهم ... إنهم رجال إذا ماتوا فهم أحياء فكم من أناس موتى تحيى القلوب بذكرهم وكم من أناس أحياء تموت القلوب برؤيتهم ... هؤلاء هم جنود الإسلام وهؤلاء هم سهام الإسلام فهل رأى العالم جنودا كهؤلاء؟ وهل سجل التاريخ طاعة كتلك الطاعة؟ وهل ولدت الأمهات رجالا أمثال هؤلاء؟ روى مسلم بسنده عن يزيد بن شُرَيْك قال كنا عند حذيفة فقال رجل: لو أدركت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قاتلت معه وأبليت. فقال حذيفة: أنت كنت تفعل ذلك؟ لقد رأيتنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة الأحزاب. وأخذتنا ريح شديدة وقر فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"ألا رجل يأتيني بخبر القوم، جعله الله معي يوم القيامة؟"فسكتنا. فلم يجبه منا أحد. ثم قال:"ألا برجل يأتينا بخبر القوم، جعله الله معي يوم القيامة؟"فسكتنا فلم يجبه منا أحد. ثم قال:"ألا برجل يأتينا بخبر القوم، جعله الله معي يوم القيامة؟"فسكتنا فلم يجبه منا أحد فقال:"قم يا حذيفة فأتنا بخبر القوم"فلم أجد بدا، إذ دعاني باسمي، أن أقوم قال:"اذهب فأتني بخبر القوم ولا تذعرهم علي"فلما وليت من عنده جعلت كأنما أمشي في حمام حتى أتيتهم فرأيت أبا سفيان يصْلي ظهره بالنار فوضعت سهما في كبد القوس. فأردت أن أرميه فذكرت قول رسول الله:"ولا تذعرهم علي"ولو رميته لأصبته فرجعت وأنا أمشي في مثل الحمام فلما أتيته فأخبرته بخبر القوم وفرغت، قَرَرْتُ. فألبسني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من فضلِ عباءةٍ كانت - عليه السلام - يصلي فيها. فلم أزل نائما حتى أصبحت. فلما أصبحت قال"قم يا نومان"هذا الحديث الشريف فيه إشارات عظيمة يتبين من خلالها مدى التزام الصحابة - رضي الله عنهم - بأوامر النبي - صلى الله عليه وسلم - والتزامهم كذلك بالجندية التزاما جديا لذلك كانوا خير جنود العالم والبشرية بعد الأنبياء وانظر أخي إلى تعامل النبي - صلى الله عليه وسلم - مع صحابته كيف كان يشاورهم ويطلب منهم التبرع للقيام بالمهمات بدون تسمية أحدهم ثم تظهر حكمة القيادة في اختيار أحد عناصر الأمن الذين اشتهروا بالسرية وهو حذيفة - رضي الله عنه - فلم يناقش ولم يجادل بعد ذكر اسمه بل بادر إلى تنفيذ المهمة بلا تردد وهي عملية أمنية تحتاج إلى جندي من القوات المدربة تدريبا خاصا وأي خطأ قد يدفع ثمنه حياته لأن الوضع متوتر أصلا والحالة هي حالة حرب ومع كل تلك المخاطر التي تحيط به أطاع الأمر وسارع إلى تنفيذه وقد كانت التعليمات واضحة بأن لا يثير انتباه العدو وأن لا يشعرهم بوجوده ومع اقتراب ساعة الصفر ومباشرة القيام بالمهمة ينظر حذيفة - رضي الله عنه - أمامه فيرى رئيس قوات التحالف - أبو سفيان- وهو في مرمى سهمه فيضع السهم في القوس فيصوب فيتذكر حينها أوامر قائده فيلتزم بالأمر ويعيد السهم إلى كنانته وينطلق مستمرا في تنفيذ المهمة ... فهل يا ترى لو أن أحدنا كُلف بمهمة مشابهة لما كلف به حذيفة فرأى قائد قوات التحالف الصليبية في العراق أو رئيس الصهاينة في فلسطين هل يتركه؟ هل يلتزم أم ينفذ ما يريد بدون تردد؟ أرى أنه سيندفع إليه اندفاعا أو سيراها فرصه ذهبية للانتقام لدماء المسلمين ولكسر شوكة قوات التحالف من الصليبيين ولكن الصحابة أشد التزاما وأكثر انضباطا
(1) البداية والنهاية ص 2740.