لأن تجنيد الصحابة غير تجنيدنا والتزامهم غير التزامنا لذلك أعاد حذيفة - رضي الله عنه - السهم إلى كنانته لأن جنديتهم من نوع غريب عنا قد لا نعرفها نحن إلا من رحم الله منا ... ثم تدخل المهمة في أخطر مراحل تنفيذها وذلك بوصول حذيفة إلى المكان المطلوب وجلوسه بينهم في الاجتماع العسكري لقادة التحالف لبحث أساليب الهجوم وفجأة يعطي زعيم الحملة أوامره بأن يفحص كل رجل في الاجتماع من هو بجانبه ... وذلك بسؤاله عن اسمه حتى يتأكد أن لا أحد غريب بينهم يتجسس عليهم ... الآن حذيفة - رضي الله عنه - في ورطة كبيرة ويمكن في أي لحظة أن ينكشف أمره فهم لم يروا شكله لكون الليل يجعل من الصعب التمييز بين الوجوه ولكنه الآن لا يستطيع أن يخفي اسمه فما العمل؟ وكيف يتصرف الجندي إذا تعرض لمشكلة أثناء تنفيذ مهمة من المهمات؟ وهنا تظهر الحاجة إلى أن يكون الجندي على قدر من الذكاء يستطيع من خلاله تدبر شؤون نفسه وحماية ما يمكن حمايته خاصة في الظروف التي قد يحتاج فيها الجندي إلى أخذ قرار ميداني خطير بدون الرجوع إلى القيادة وبدون توجيهٍ من أحد وبسرعة وذكاء يبدأ حذيفة - رضي الله عنه - بسؤال جاره عن اسمه حتى يتفادى أن يُسأل هو وحتى ينجو من ذلك ولا يذكر اسمه وهكذا ينجو بفضل الله تعالى وهنا تظهر حقيقة مهمة جدا وهي الحاجة إلى أن يكون لدى جيش التوحيد مجموعة من الجنود لها مواصفات خاصة وتدريبات خاصة وأسلحة خاصة من أجل القيام بالمهمات الكبيرة وهي ما يعرف اليوم في عالم التجنيد بالقوات الخاصة أو الوحدات الخاصة ولكن وحداتهم الخاصة اليوم صارت وبالا على الموحدين فهي تطارد كل مجاهد من أجل اغتياله ولكننا نريد قوات خاصة موحِّدة تخاف الله تعالى وتعمل لإحقاق الحق والدفاع عن المظلومين في كل مكان ... لا بد لجيش التوحيد أن يخرج من بين صفوفه رجالٌ أشداء يمكن إرسالهم في أصعب المهمات وذلك بعد تدريبهم وتعبئتهم بشكل جيد حتى لا تبقى تلك الميزات مقصورة على جنود الطواغيت فجيش التوحيد أحق وأولى من غيره بأن يكون جنوده أقوى الجنود في العالم ... ولا بد كذلك أن يكون لجيش التوحيد جهاز رصد وجمع معلومات أو ما يسمى بالجهاز الإستخباري والذي يهدف إلى جمع المعلومات عن تحركات العدو ومعرفة خططه وأساليبه في المعارك ونشر العيون بين جنوده كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - بإرسال حذيفة - رضي الله عنه - إلى جيش الأحزاب من أجل جمع المعلومات وكشف المخططات وقد تحتاج تلك المهمات إلى شيء من التخفي والتنكر من أجل الوصول إلى الأهداف وهكذا يسطر حذيفة - رضي الله عنه - دروسا عملية في الطاعة والجندية والالتزام والقيام بالمهمات المطلوبة على أكمل وجه - رضي الله عنه - وأرضاه ... والطاعة للأمير لا تمنع من مناقشته في بعض القضايا إن كانت مصلحة الجيش والدعوة تقتضي ذلك فإن رأى الجندي أن مصلحة الأمة في مناقشة الأمير من أجل توضيح أو بيان مسألة مهمة تخدم المعركة فعل ذلك وإلا سكت أي أن المسألة ليست شخصية أو رغبة في المخالفة والجدال، ففي معركة بدر نزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند أدنى مياه بدر فقال الحُباب بن المنذر:"يا رسول الله أرأيت هذا المنزل، منزلا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدم ولا أن نتأخر عنه أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال:"بل هو الحرب والرأي والمكيدة"، فقال: فإن هذا ليس بمنزل فانهض بالناس حتى تأتى أدنى ماء من القوم فتنزله ثم فغوِّر ما وراءه من الآبار ثم نبني عليه حوضا فنملؤه ماء ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون، فنهض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتحول إلى المكان والرأي اللذين أشار بهما الحُباب - رضي الله عنه - .." [1] ، وبهذا يتبين أن الطاعة ليست عمياء وإنما هي طاعة على بصيرة وعن علم مسبق لذلك
(1) رواه ابن إسحاق في السيرة والطبري في التاريخ بإسناد منقطع وضعفه الألباني.