فهرس الكتاب

الصفحة 284 من 604

عندما رأى الحباب - رضي الله عنه - أن مصلحة المعركة تقتضي بعض التغييرات في بعض المواقع بادر إلى سؤال الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولكن طريقته رائعة وأسلوبه يدل على مدى حبه واحترامه وتقديره لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو لم يبادر إلى طرح ما يريد إنما أخذ الإذن أولا ثم تكلم بما أراد وهذا يدفعنا إلى احترام القادة واختيار الألفاظ المناسبة والتي تحفظ لهم هيبتهم خاصة أمام الجند وفي الأماكن العامة صحيح أن الحباب - رضي الله عنه - كان يتحدث مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - والرسول يختلف عن بقية القادة والأمراء ولكن الأصل أن يتعامل الجندي بأسلوب لائق مع إخوانه الجنود فكيف بقائدة وأميره؟ وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - غاية في التواضع فلم يكن قاسيا ولا غليظا خاصة مع أصحابه وجنوده وكان يتعامل معهم باحترام كبير فلم يكن يصدر القرارات وعليهم تنفيذ الأوامر بل كان يسمع آراءهم ويشاورهم في اتخاذ القرارات فإذا كان رأيهم صوابا أخذ به وطبّقه كما حدث مع الحباب - رضي الله عنه - كما قال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} آل عمران: 159، والقائد يحتاج إلى صفات تميزه عن الجنود من العلم والتقوى والحلم والصبر والخبرة والتواضع والشورى والقوة والصلابة والرفق واللين وسعة الصدر وتحمل الأذى والعفو والكرم والحكمة وغيرها من الصفات التي لا بد وأن يتحلى بها لتتجلى في المواقف الصعبة والمصائب العظيمة والأمارات الخطيرة كالحكم والجهاد ... وأن الطاعة للأمير مرتبطة بعدم معصية الأمير لله تعالى وهذه قاعدة عامة في الشريعة فلا طاعة لأي مخلوق مهما علا شأنه ومهما علت رتبته ومهما كانت إمكاناته في معصية الخالق فإن التزم الأمير بأوامر الله تعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم - فيصبح أمره نافذا وطاعته واجبة وإن معصية الأمير بغير عذر شرعي إثم و وزر وذلك لكثرة الأدلة التي تنهى عن معصيته كما قال - صلى الله عليه وسلم:"ومن عصا أميري فقد عصاني"، ومعصية الأمير فوق ما فيها من إثم يلحق بالعاصي فهي كذلك خذلان للمؤمنين وإضعاف لجيش الموحدين وقد ظهرت نتيجة مخالفة أمر الأمير بشكل جلي في غزوة أحد عندما وزع النبي - صلى الله عليه وسلم - المجاهدين في أماكنهم فكانت ظهورهم مكشوفة فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - على الجبل خلف المسلمين خمسين راميا وأمَّرَ عليهم عبد الله بن جبير وأوعز إليهم قائلا:"قوموا على حصونكم هذه فاحموا ظهورنا فإن رأيتمونا قد انتصرنا فلا تشركونا وإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا" [1] ، وهكذا كانت الأوامر واضحة فتحقق النصر في بداية المعركة حتى بدأ جيش الكفار يندحر وبدأت بشائر النصر تظهر جلية رأى الرماة أن لا حاجة لوقوفهم على سفح الجبل فقرر معظمهم النزول عن الجبل حتى لا تذهب المكاسب فذهبوا لأخذ أكبر كمية من الغنائم وبعد نزول معظم الرماة ومخالفة أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - فتحت ثغرة في مؤخرة جيش التوحيد فانتبه خالد بن الوليد - والذي لم يكن قد أسلم بعد فانطلق بفرسانه والتفَّ حول الجبل وبدأ يهاجم المسلمين من الخلف وهكذا وقع المسلمون في فخ مزدوج وحصار محكم فاستشهد منهم سبعين من خيرة الصحابة من بينهم حمزة بن عبد المطلب عم الرسول - صلى الله عليه وسلم - وانتهت المعركة بخسارة المسلمين وكَثُرَتْ الإصابات في صفوفهم حتى النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يسلم من الإصابة فكانت النتائج صعبه فقال تعالى: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} آل عمران: 152، تأمل أخي الحبيب النتائج لترى ما حدث بسبب معصية أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -

(1) رواه البخاري بنمو 5/ 29.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت