تمهيد:
إنها البداية، إنها الانطلاقة، إنها ساعة الصفر، إنها اللحظة التي يلتحق فيها الرجل بالمعسكرات ثم ينتقل بعدها إلى ساحات المواجهات ... ينظر عن يمينه فيرى الدبابات وينظر عن شماله فيرى الطائرات ... ثم ينطلق البصر إلى الفضاء ليرى السواد يغطي السماء ... رصاصات هنا وانفجارات هناك وصواريخ أخرى تبحث عن أهداف ... دخان وغبار ونار ودمار تخاف العين مما ترى فيرتد البصر إلى الأرض ليجدها مزروعة بالألغام ... يا لهذا الموقف من موقف شديد لا يحسد عليه أحد فلا أصعب من أنَّ يجد الرجل نفسه بين النيران تتقاذفه أمواج الموت وسهام المنية في كل لحظة يمكن أن يكون ضحية ... في كل لحظة تمر آلاف الطلقات وتسقط مئات القذائف والكل يمر من هنا وهناك وكأن قدر الله يعطيه فرصة أخرى للنجاة لعلها تبقي السلامة ومن يدري لعل إحدى الرصاصات تستقر في قلبه ... إنها المعسكرات إنها ساحات القتال إنها أرض النزال إنها الساحات العزيزة إنها ساحات الشهادة والفداء، إنها الساحات التي يتعلم فيها المجاهد معنى العزة والإباء، إنها الساحات التي يتخرج منها الرجال إما قادة وإما شهداء ... هذه صورة تشبه المعارك وما يلاقيه الرجال فيها من مصاعب ... فيها من أراد نيل المعالي، لا بد أن تدرك أنَّ الثمن المدفوع غالي ... فليس الذهاب إلى ساحات الوغى ومقارعة العدى بالأمر الهين السهل الذي يستطيع كل الناس القيام به، ودفع ثمنه، فليس الثمن دولارات إنما هو جراحات وعذابات وآلام وأنّات ... إنه الثمن الذي يحتاج إلى التفكير مليًا لدفعه ... هل أستطيع دفعه؟ ولماذا أدفعه؟ ومن أجل مَن أدفعه؟ وهل أستطيع الصمود أمام المخاطر؟ وما هي النتيجة المتوقعة؟ الموت أم الإصابة أم الأسر أم الإعاقة؟ هل أستطيع أن أمضي في طريقي وهل أستطيع التوقيع على عقد التجنيد؟ هل أستطيع الوفاء بالشروط والوفاء بالعهود وعدم الإخلال بالبنود؟ فكِّر قبل أن تقرر ... {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} التوبة: 111 ... فيا من أراد أن يصبح مقاتلًا فهلاّ توقفت قليلًا لتفهم وتعرف وتسأل وتدرك ثم تمضي بعد ذلك إلى مصيرك وتلاقي قدرك وتدفع ثمنك من دمك ومن أشلائك ... لا بد للجندية من فقه قبل التجنيد لأن الثمن المدفوع ليس ثمنًا بسيطًا، ومن سمع ليس كمن رأى ومن رأى ليس كمن كان في الميدان، ولو كان الأمر مجرد أسماءً تسجل وأوراقًا تختم وثيابًا تلبس لكان الأمر سهلًا، حبذا لو كان الأمر نجمة توضع على الكتف أو وسامًا يوضع على الصدر أو لباسًا خاصًا يتم لبسه أثناء الدوام الرسمي أو يأخذ بذلك اللباس صورة للذكرى لكي يفاخر بها بين أولاده وذويه، ويقول لهم كنت يومًا من الأيام جنديًا أو ضابطًا من المحاربين القدامى ... الأمر هنا مختلف جدًا لأننا نبحث هنا عن نوع خاص من الجنود فهم جنود ليسوا كباقي الجنود لأن لهم مواصفاتً خاصةً وشروطًا