فهرس الكتاب

الصفحة 459 من 604

هذه أخلاق النبوة فليست المسألة هي مسألة ثأر شخصي أو انتقام لمجرد الانتقام وإنما هي دعوة رحمة ديننا دين رحمة ونبينا نبي الرحمة {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} (الأنبياء:107) جيش التوحيد يحمل رسالة الرحمة لكل البشر وليس يحمل رسائل الانتقام والثأر والتنكيل والقتل الجماعي لمجرد القتل كما يحاول البعض وصفه بذلك، ويقترب النبي عليه السلام من مكة شيئًا فشيئًا ولم يحدث قتال غير ما حدث مع خالد رضي الله عنه عندما حاول بعض المشركين قتاله فقاتلهم، ويدخل النبي عليه السلام مكة وهو يحني رأسه فوق ناقته تواضعًا لله تعإلى لا يفعل ذلك إلا نبي، بعد الانتصار العظيم الذي تحقق وحوله كل تلك الجيوش ويعود إلى المكان الذي أُخرج منه ظلمًا وعدوانًا ويدخل على الذين ظلموا وأخرجوه وطردوه وبعد كل ذلك يدخل مكة بكل تواضع، إنها أخلاق النبوة التي تظهر وتتجلى عند كل حدث أو انتصار، ثم ن فتح مكة كان مدرسة متكاملة في الرحمة والأخلاق فقبل الفتح التزم الموحدون بالعهد الذي عقدوه مع قريش وبعد غدر أعداء الله ألتزم المسلمون بنصرة المستضعفين الذين تم الاعتداء عليهم ثم تعامل الموحدون مع الغادرين بكل رحمة، أي أخلاق هذه التي نتحدث عنها؟ إنها أخلاق تجعل من يسمع بها يحب هذا الدين؟ ويحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صدق وكرم وشجاعة وتواضع ورحمة وعفو وصبر وحلم وتجاوز وصفح، اسأل أي شخص عاقل منصف عن هذه الأخلاق فماذا تتوقع أن يكون رده؟ لا أريد الإجابة عنك لأنك تعرف الإجابة جيدًا، يقترب النبي عليه الصلاة والسلام من الكعبة في يوم الفتح العظيم بكل تواضع وخشوع لله تعإلى والكعبة تحيط بها الأصنام مئات الأصنام ترتعد خوفًا، قائد جيش التوحيد يقترب منها فيطعنا الواحدة تلو الأخرى بعود في يده وهو يقول:"جاء الحق وزهق الباطل، جاء الحق وما يبدئ الباطل وما تُعيد" [1] لقد ظهر الحق لقد انتصر الحق، حجارة الشرك مبعثرة ملقاة على الأرض تحت أقدام الموحدين، أصنام عُبدت من دون الله هي اليوم تحطم بسيوف وبأيدي الموحدين مالك أيتها الأصنام الخبيثة أراك اليوم تحت الأقدام أين العقول التي كانت تعبدك أين حمايتك لنفسك؟ مئات الآلهة المصنوعة هي الآن محطمة، هي الآن مدمرة، تموت هي لكي يموت الشرك الذي كان يمارسه أتباعها، الباطل يتراجع أمام ضربات أهل الحق، يا له من مشهد رائع وهي تتهاوى الأصنام بعد سنوات طويلة من وجودها وعبادتها في أطهر قاع الأرض، صوت الله أكبر يُسمع من فوق الكعبة عندما أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بلالًا فصعد فوق ظهر الكعبة فأذن للصلاة، صوت الحق يتردد في أرجاء مكة، دعوة التوحيد تنطلق اليوم من مهدها من أصلها من جذورها من المكان التي وُلدت فيه، اليوم تنطلق الدعوة التي كانت مطاردة منتصرة اليوم تُعلن عن نفسها مرة أخرى، تخيل المشهد وكأنك تسمع آلاف الأصوات تكبر الله وتذكر الله، الأصنام محطمة وأصوات التكبير ترتفع وتعلو وآلاف الصحابة يشهدون لله بالوحدانية، صوت التوحيد هو الأعلى بعدما كان يطارد في كل مكان، أصنام الشرك هي الأدنى بعدما مكثت لسنوات تُعبد من دون الله تعإلى مشهد نصر وعزة وتمكين يتكلل بأروع صور التواضع والانكسار لله تعإلى، مشهد قوة تتجلى فيه الرحمة، مشهد يحب كل مسلم أن يشاهده أو أن

(1) متفق عليه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت