إن الإسلام لما شرع العبادات جعل لها حِكما من مشروعيتها، وهذه الحِكم منها ما يكون معلوما لنا، ومنها ما يخفى علينا حِكمتها في زمن وربما تظهر في زمن آخر، وأصل الأمر هو: تنفيذ ما طلبه الله تعالى أو رسوله صلى الله عليه وسلم منا فعلا أو نهيا دون السؤال عن الحِكمة، لأن الحكمة تأتي بعد تنفيذ العمل أو أثنائه، ومن العبادات المعلومة حكمتها؛ الصوم، فحكمة الصيام هي تحصيل التقوى، وهذه التقوى أهم ثمرة من ثمار الصيام، قال تعالى:"يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون". {البقرة 183} .
ومن حكم الصيام أيضا أنه يعمل على تقوية المجتمع وحفظه من التمزق لوجود مشاعر الإتحاد والمساواة والشعور بالآخرين، ويعمل أيضا على تنظيف المعدة، وتخليص البدن من الرواسب والفضلات.
ومن العبادات التي خفيت حكمتها في زمن وظهرت في زمن فمثل: قول النبي صلى الله عليه وسلم:"اتقوا الملاعن الثلاث: البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل". [1]
معنى قوله (الملاعن الثلاث) : جمع ملعنة، وهي الأمور الثلاثة التي تجلب على صاحبها اللعنة.
فلما قال النبي صلى الله عليه وسلم هذا الكلام لم يعرف الصحابة الحكمة من ذلك، ومع هذا استجابوا للأمر، ولما تقدَّم العلم، وتطوَّرت الاختراعات عُلم بأن هذه الأشياء هي بمثابة المصدر الأول لانتشار الأمراض الطفيلية؛ كالانكلستوما، والبلهارسيا، وغيرها من الطفيليات.
ولو نظرنا بعين التأمل إلى الحكمة من مشروعية زكاة الفطر لوجدنا عدة أمور:
1 -شُرعت زكاة الفطر محوا للذنب والرفث وغفرانا للذنب، فهي بمثابة محطة من محطات تنقية الذنوب والخطايا، والدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم:"زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين، فمن أدَّاها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أدَّاها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات". [2]
2 -طعمة للمساكين: ففي إخراج زكاة الفطر على المساكين إدخال السرور إلى قلوبهم والبسمة على شفاههم، وفيه إغناء لهم وسد لحاجاتهم، للحديث السابق:"زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين".
3 -المساواة بين الأغنياء وبين المساكين، فهي تقوي روح الوحدة والتجانس والترابط والإخاء، فالمجتمع كالجسد الواحد إذا اشتكى منه مسلم اشتكى من ذلك جميع المسلمين، لقول النبي
(1) حسن: رواه أبو داود رقم 26 كتاب الطهارة/باب المواضع التي نهي عن البول فيها، وابن ماجه رقم 328 كتاب الطهارة وسننها/باب النهي عن الخلاء على قارعة الطريق، والحاكم في المستدرك رقم 594 كتاب الطهارة وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، والبيهقي في الكبرى رقم 469 جماع أبواب الاستطابة/باب النهي عن التخلي في طريق الناس وظلهم عن معاذ بن جبل رضي الله عنه، وحسنه الألباني في صحيح الجامع 112، والمشكاة 355، وصحيح الترغيب والترهيب 142، وغاية المرام في تخريج أحاديث الحلال والحرام 10.
وفي رواية عن ابن عباس رضي الله عنهما:"اتقوا الملاعن الثلاث: أن يقعد أحدكم في ظل يُستظل فيه، أو في طريق، أو في نقع ماء". رواه أحمد في مسنده 2715، وحسنه الألباني في إرواء الغليل 62.
(2) صحيح: رواه أبو داود رقم 1609 كتاب الزكاة/باب كم يؤدى في صدقة الفطر؟، وابن ماجه رقم 1827 كتاب الزكاة /باب صدقة الفطر، وصححه الحاكم في مستدركه 1488 كتاب الزكاة وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرِّجاه، عن ابن عباس رضي الله عنهما، وصححه الألباني في صحيح الجامع 3570.