اعلم بأن زكاة الفطر عبادة مشروعة في ديننا، قد جعل لها الشرع أحكاما متعلقة بها، ومن ذلك: إلى من تصرف؟
فنقول: إن المصرف الرئيس في الزكاة الفطر أنها للمساكين دون غيرهم، لظاهر نص النبي صلى الله عليه وسلم:"... وطعمة للمساكين". فالأمر لا يصح فيه استيعاب الأصناف الثمانية الواردة في زكاة المال، قال ابن تيمية رحمه الله:"ومن قال بالثاني أن صدقة الفطر تجري مجرى كفارة اليمين والظهار والقتل والجماع في رمضان، ومجرى كفارة الحج، فإن سببها البدن وليس المال، كما في السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم:"أنه فرض صدقة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين، من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات". وفي حديث آخر أنه قال:"أغنوهم في هذا اليوم عن المسألة"."
ولهذا أوجبها الله طعاما، كما أوجب الكفارة طعاما، وعلى هذا القول فلا يجزئ إطعامها إلا لمن يستحق الكفارة، وهم الآخذون لحاجة أنفسهم، فلا يُعطى منها في المؤلفة ولا الرقاب ولا غير ذلك، وهذا القول أقوى في الدليل". [1] "
قال الألباني رحمه الله:"ليس في السنة العملية ما يشهد لهذا التوزيع (على الأصناف الثمانية) بل قوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عباس:"وطعمة للمساكين". يفيد حصرها بالمساكين، والآية إنما هي في صدقات الأموال لا صدقة الفطر بدليل ما قبلها، وهو قوله تعالى:"ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا". {التوبة 58} ."
وهذا هو اختيار شيخ الإسلام، وبه قال الشوكاني في سيل الجرار 2/ 86 - 87، ولذلك قال ابن القيم في الزاد: وكان من هديه صلى الله عليه وسلم تخصيص المساكين بهذه الصدقة". [2] "
وقال ابن القيم رحمه الله:"وكان من هديه تخصيص المساكين بهذه الصدقة، ولم يكن يقسمها على الأصناف الثمانية قبضة قبضة، ولا أمر بذلك ولا فعله أحد من أصحابه ولا من بعدهم، بل أحد القولين عندنا: أنه لا يجوز إخراجها إلا على المساكين خاصة، وهذا القول أرجح من القول بوجوب قسمتها على الأصناف الثمانية". [3]
الذين تجب عليك النفقة عليهم: فلا يصح صرف زكاة الفطر إلى من تجب عليك النفقة عليهم؛ كالزوجة والوالدين والأولاد والجدين والخادم، لأنهم مطالبون منك بأن تنفق عليهم، فلا يحتاجون لزكاة الفطر لتنفق عليهم، وإلى هذا ذهب جمهور العلماء، قال ابن المنذر رحمه الله:"وأجمعوا على أن الرجل لا يعطي زوجته من الزكاة؛ لأن نفقتها عليه، وهي غنية بغناه". [4]
قال ابن المنذر أيضا:"وأجمعوا على أنها لا تدفع إلى الوالدين في الحال التي يجبر على النفقة عليهم، ولأن الدفع إلى من تلزمه نفقته يغنيهم عن النفقة، ويسقطها عنه فيعود النفع إليه، فكأنها دفعها إلى نفسه". [5]
(1) الفتاوى 25/ 73.
(2) تمام المنة للألباني ص 387 - 388.
(3) زاد المعاد لابن القيم 2/ 22.
(4) الإجماع ص 49، والإقناع 1/ 189.
(5) منار السبيل في شرح الدليل لابن ضويان 1/ 212، والإجماع لابن المنذر ص 48.