اعلم بأن هناك اتفاقا بين أهل العلم على أن صلاة العيدين من شعائر الدين، وأنها ذات فضل جليل، وأجر جزيل، قال ابن دقيق العيد رحمه الله:"لا خلاف في أن صلاة العيدين من الشعائر المطلوبة شرعا، وقد تواتر بها النقل الذي يقطع العذر، ويغني عن خبر الآحاد، وأول صلاة عيد صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة عيد الفطر في السنة الثانية من الهجرة". [1]
ولكنهم اختلفوا رحمهم الله في حكم صلاة العيدين على أقوال، والذي نتعبد الله تعالى به لظهور صوابه هو: أن صلاة العيدين واجبة على الأعيان، وهذا ما ذهب إليه جمع غفير من أهل العلم، فهو مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل والمالكية، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية والشيخ الألباني وغيرهم كثير. [2]
والأدلة على هذا الرأي كثيرة والحمد لله، وهي:
الدليل الأول: قال الله تعالى:"ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون". {البقرة 185} .
قال محمد نسيب الرفاعي:"ولهذا أخذ كثير من العلماء مشروعية التكبير في عيد الفطر، وأوجبه داود الظاهري لظاهر الأمر، وفي مقابلته مذهب أبي حنيفة أن لا يشرع التكبير في عيد الفطر، والباقون على استحبابه". [3]
قال البغوي رحمه الله:" (ولتكبروا الله على ما هداكم) أي: لتعظموا الله على ما أرشدكم إلى ما رضي به من صوم شهر رمضان وخصكم به دون سائر أهل الملل. قال ابن عباس رضي الله عنهما: هو تكبيرات ليلة الفطر". [4]
فإذا أمر الله تعالى في الآية بالتكبير في العيدين، فمن باب أولى أن يكون قد أمر بالصلاة التي تشتمل على التكبير.
الدليل الثاني: قال الله تعالى:"فصل لربك وانحر". {الكوثر 2} . والأمر للوجوب لظاهر الآية، لأن القاعدة الشرعية تنص على أن كل أمر للوجوب ما لم تأت قرينة تصرفه من الوجوب إلى الاستحباب، وليس هناك قرينة - حسب علمي - لتصرف هذا الواجب إلى مستحب.
فالمقصود بالصلاة في هذه الآية: صلاة العيدين، والنحر: هو الذبح الذي يكون بعد الصلاة، وهذا ما قاله ابن عباس وعكرمة وعطاء والحسن وقتادة ومجاهد والربيع. [5]
(1) انظر تيسير العلام شرح عمدة الأحكام/باب صلاة العيدين 1/ 244.
(2) أحيلك إلى هذه المراجع: البدائع للكاساني 1/ 247، وحاشية ابن عابدين 2/ 166، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير 1/ 396، ومرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح للمباركفوري 5/ 22، ومجموع الفتاوى لابن تيمية 23/ 161، والسيل الجرار للشوكاني 1/ 315، وتمام المنة للألباني ص 344، والإنصاف لعلي بن سليمان المرداوي 2/ 294، والفروع وتصحيح الفروع للمرداوي 3/ 199، والمغني لابن قدامة 2/ 272.
(3) تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير لمحمد الرفاعي 1/ 14، وتفسير ابن كثير 1/ 280.
(4) تفسير البغوي/سورة البقرة/آية 185/ص 28.
(5) تفسير ابن كثير 4/ 716 - 717، وانظر مختصر ابن كثير لمحمد الرفاعي 3/ 684، وزاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي 4/ 498.