ومن الأمانة العلمية أن أذكر بأن هناك خلافا بين أهل العلم في حكم الأضحية على قولين؛ فمنهم من ذهب إلى الوجوب على الموسر، وهذا شرط الإيجاب، ومنهم من ذهب إلى السنية، والرأي الذي أتعبد الله تعالى به وإليه أميل وعليه التعويل هو: وجوب الأضحية على الموسر، وهذا ما ذهب إليه ربيعة والليث والأوزاعي والثوري [1] وأبو حنيفة [2] ، ومالك [3] ، وإحدى الروايتين عن أحمد بن حنبل [4] ، وقد رجحه الشوكاني [5] واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية [6] ، ورجحه ابن العثيمين [7] وغيرهم.
والأدلة على هذا الرأي كثيرة منها:
الدليل الأول: قول الله تعالى:"فصل لربك وانحر". {الكوثر 2} . فالصلاة المقصودة في الآية: صلاة العيدين، والنحر هو: الأضحية بعد الصلاة، وهذا ما قاله ابن عباس وعطاء وعكرمة والحسن، والأمر الذي جاء في الآية يقتضي الوجوب لظاهر النص حسب القاعدة الشرعية.
قال ابن كثير رحمه الله:"المراد بالنحر ذبح المناسك، ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي العيد ثم ينحر نسكه". [8]
قال تعالى:"ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فإلهكم إله واحد فله أسلموا وبشر المخبتين". {الحج 34} .
قال الشوكاني رحمه الله:"إن كان المراد معنى النحر الحقيقي وهو نحر الأضحية لا إن كان المراد وضع اليد على النحر كما ورد في رواية، وبهذا ويعرف أن الحق ما قاله الأقلون من كونها واجبة ولكن هذا الوجوب مقيد بالسعة، فمن لا سعة له لا أضحية عليه". [9]
الدليل الثاني: حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من كان له سعة ولم يضح فلا يقربن مصلانا". [10]
فلا يكون هذا الوعيد من النبي صلى الله عليه وسلم على ترك سنة، قال الشوكاني رحمه الله:"ووجه الاستدلال به لما نهى من كان ذا سعة قربان المصلى إذا لم يضح، دلَّ على أنه قد ترك واجبا، فكأنه لا فائدة في التقرب بالصلاة للعبد مع ترك هذا الواجب". [11]
(1) المغني لابن قدامة 9/ 435.
(2) البناية شرح الهداية لبدر الدين العيني 12/ 4، دار الكتب العلمية - بيروت /الطبعة الأولى.
(3) بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد الحفيد 2/ 191.
(4) الهداية على مذهب الإمام أحمد لأبي الخطاب الكلوذاني 1/ 204، مؤسسة غراس للنشر والتوزيع/الطبعة الأولى.
(5) السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار للشوكاني 1/ 716، دار ابن حزم/ الطبعة الأولى.
(6) مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام 23/ 162.
(7) انظر أحكام الأضحية والذكاة لابن العثيمين.
(8) تفسير ابن كثير 7/ 389.
(9) سيل الجرار 1/ 716.
(10) صحيح: رواه ابن ماجه رقم 3123 كتاب الأضاحي/باب الأضاحي واجبة هي أم لا؟، والحاكم في مستدركه 7565 كتاب الأضاحي وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرِّجاه، وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه، وصححه الألباني في صحيح الجامع 6490.
(11) السيل الجرار للشوكاني 1/ 715، وقد ذكره البدوي حفظه الله في الوجيز بتصرف.