فهرس الكتاب

الصفحة 74 من 108

فليس المراد من الحديث أن صحة الصلاة تتوقف على الأضحية، بل هي عقوبة له بالطرد عن مجالس الأخيار، وهذا يفيد الوجوب.

الدليل الثالث: حديث جندب بن سفيان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من ذبح قبل أن يصلي فليعد مكانها أخرى، ومن لم يذبح فليذبح". [1]

فهذا حديث واضح في الوجوب لأمر النبي صلى الله عليه وسلم من لم يذبح أن يذبح.

الدليل الرابع: أن أبا بردة رضي الله عنه قال: يا رسول الله ذبحتُ قبل أن أصلي وعندي جذعة خير من مسنة، فقال صلى الله عليه وسلم:"اجعلها مكانها، ولن تُجزئ عن أحد بعدك". [2]

الدليل الخامس: عن أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إذا رأيتم هلال ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره وأظفاره". [3]

وهذا الحديث واضح وبيِّنٌ في وجوب الأضحية، وليس المراد بحملة (وأراد أحدكم) على السنية، بل هي دليل على الوجوب لثلاثة أمورٍ وهي:

الأول: أن الحديث لم يسق لبيان حكم الأضحية، ولكن جاء لبيان عدم حلق الشعر والأخذ من الأظافر لتعم المغفرة جميع أجزاء البدن، وهذا بائن في سياق الحديث، لمن نظر بعين المتفحص المتأمل.

الثاني: أن الواجب قد عُلِّق بالشرط لبيان حكم من الأحكام، كما لو قلت لرجل: إذا أردت أن تذهب إلى الحج فعليك أن تُكثر من الزاد، أو قلت له: إذا أردت أن تصلي فارتدي أحسن الثياب وأجملها، فهل تصبح الصلاة أو الحج سنة من السنن؟ والجواب: لا بالتأكيد، بل إن الصلاة والحج ركنان أساسيان من أركان الإسلام، بل جاء الكلام لبيان شيء آخر وهو: ارتداء الملبس الحسن لا لبيان حكم الصلاة، كما هو معلوم لمن رزقه الله تعالى رائحة الفقه في الدين.

الثالث: أن المراد بقوله صلى الله عليه وسلم:"وأراد أحدكم": القصد لا التخيير بين الترك والإباحة، فالمعنى: من قصد أن يضحي منكم، وهذا لا يدل على نفي الوجوب كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم:"من أراد منكم الجمعة فليغتسل". [4] أي: من قصد الجمعة ولم يرد التخيير.

قال الإمام النووي رحمه الله:"قوله صلى الله عليه وسلم (إذا أراد أحدكم أن يأتي الجمعة فليغتسل) وفي رواية (من جاء منكم الجمعة فليغتسل) وهذه الثانية محمولة على الأول معناها: من أراد المجيء فليغتسل". [5]

(1) صحيح: رواه البخاري 5562 كتاب الأضاحي/باب من ذبح قبل الصلاة أعاد، ومسلم 1960 كتاب الأضاحي/باب وقتها عن جندب بن سفيان رضي الله عنه.

(2) صحيح: رواه البخاري 5560 كتاب الأضاحي/باب الذبح بعد الصلاة.

(3) صحيح: رواه مسلم 1977 كتاب الأضاحي/باب نهي من دخل عليه عشر ذي الحجة وهو مريد التضحية بأن يأخذ من شعره أو أظفاره شيئًا، وأحمد 26654، وأبو داود رقم 2791 كتاب الأضاحي/باب الرجل يأخذ من شعره في العشر وهو يريد أن يضحي، وغيرهم، وصححه الألباني في صحيح الجامع 6489.

(4) صحيح: رواه البخاري بغير هذا اللفظ 877 كتاب الجمعة/باب فضل الغسل يوم الجمعة وهل على الصبي شهود يوم الجمعة أو على النساء، ومسلم 844 كتاب الجمعة عن ابن عمر رضي الله عنهما.

(5) شرح النووي على مسلم 6/ 130 - 131.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت