فأصبح من المعلوم حرمة استماع الموسيقى والألحان، فلا يصح إذًا استماعها في الأعياد ولا في غيرها، لأنها تصرف الناس من الطاعة إلى المعصية، وتنقلهم من الأجر إلى الوزر، وتغير حالهم من الرضا والبركة إلى السخط والغضب.
تنبيه: هناك فرق شاسع بين استماع الموسيقى وسماعها، وذلك أن استماع الموسيقى يترتب عليه الوزر والإثم، أما السماع فلا لأنه من غير قصد وإرادة، قال ابن تيمية رحمه الله:"... وأما ما لم يقصده الإنسان من الاستماع فلا يترتب عليه لا نهي ولا ذم باتفاق الأئمة، ولهذا إنما يترتب الذم والمدح على الاستماع لا السماع، فالمستمع للقرآن يثاب عليه، والسامع له من غير قصد وإرادة لا يثاب على ذلك، إن الأعمال بالنيات (وهذا واضح في حديث ابن عمر رضي الله عنهما أنه سمع راعيا يزمر ويغني ولم ينكر عليه وكذا لبعده عنه) وكذلك لما نهى عن استماعه من الملاهي لو سمعه السامع بدون قصده لم يضره". [1]
وقال أيضا رحمه الله:"أن المحرم هو الاستماع لا السماع، فالرجل لو يسمع الكفر والكذب والغيبة والغناء من غير قصد منه، بل كان مجتازا بطريق (عابر طريق) فسمع ذلك لم يأثم بذلك باتفاق المسلمين، ولو جلس واستمع إلى ذلك ولم ينكره لا بقلبه ولا بلسانه ولا يده كان آثما باتفاق المسلمين ... ولهذا يُقال: المستمع شريك المغتاب". [2]
وهذا خطأ واضح قد انتشر بلاؤه خاصة مع وجود الأحزاب والطوائف السياسية والفرق التي جعلت الإسلام ممزقا بسبب تعصبهم وميولهم الجاهل لأحزابهم، فهذا جعلهم يتسارعون في تعليق التصاوير والمجلات على جدران المساجد من أجل أن يكون هذا حملة إعلانية للحزب والطائفة، وإن بانت في الظاهر (الكاذب الدَّعِيّ) أنها لله ولدينه.
ولقد عدَّ أهل العلم رحمهم الله تعليق الأوراق والمجلات والتصاوير والمناشير على جدران المسجد من الأمور المخالفة للشرع والمجانبة للصواب، مع المساواة بين جدران المسجد من الداخل ومن الخارج في مسألة تعليق الأوراق والتصاوير، قال ابن قدامة رحمه الله:"ويكره أن يكتب على حيطان المسجد قرآنًا أو غيره؛ لأنه يلهي المصلي ويشغله وهو يشبه الزخرفة وقد نهي عنها". [3]
وهذا يكمن في قضية حكم الصلاة بوجود التصاوير [4] ، والرأي الذي نتعبد الله تعالى به هو: أن الصلاة بوجود التصاوير مكروهة وبه قال الجمهور، مع ذهاب بعض أهل العلم إلى بطلان الصلاة بوجود التصاوير.
والدليل على كراهية الصلاة لا بطلانها: فعن أنس رضي الله عنه قال: كان قرام لعائشة سترت به جانب بيتها، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم:"أميطي عنا قرامك هذا ; فإنه لا يزال تصاويره تعرض لي في صلاتي". [5]
(1) الفتاوى 10/ 78.
(2) الفتاوى 30/ 212 - 213.
(3) المغني والشرح الكبير لابني قدامة 1/ 458.
(4) قال ابن حجر رحمه الله:"قال الخطابي: والصورة التي لا تدخل الملائكة البيت الذي هي فيه ما يحرم اقتناؤه، وهو ما يكون من الصور التي فيها الروح مما لم يقطع رأسه، أو لم يمتهن". فتح الباري 10/ 382.
(5) صحيح: رواه البخاري 274 كتاب الصلاة/باب إن صلى في ثوب مصلب أو تصاوير هل تفسد صلاته؟ وما ينهى عن ذلك.
معلومة حديثية: إن من منهج البخاري في تبويب صحيحه أنه إذا بوَّب بابًا بصيغة الاستفهام فإنه يريد أن ينبه القارئ إلى أن في المسألة خلافا بين أهل العلم، ثم يذكر الآيات والأحاديث وفقا لما يتعبد الله تعالى به.