فهرس الكتاب

الصفحة 448 من 865

قِتَالِ الْعَدُوِّ أَوْ فِي قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ فِي الْفِتَنِ الَّتِي تَقَعُ بَيْنَهُمْ . فَإِنْ كَانَ فِي قِتَالِ الْعَدُوِّ فَفِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ فِي الْمَذْهَبِ . أَحَدُهَا: أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْمَفْقُودِ فِي غَيْرِ الْقِتَالِ فَيُضْرَبُ لِزَوْجَتِهِ أَجَلٌ أَرْبَعَةُ أَعْوَامِ ثُمَّ تَعْتَدُّ , وَتَتَزَوَّجُ إنْ شَاءَتْ , وَيَبْقَى مَالُهُ إلَى انْقِضَاءِ أَمَدِ تَعْمِيرِهِ . وَالثَّانِي: أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْأَسِيرِ فَلَا يُضْرَبُ لِامْرَأَتِهِ أَجَلٌ , وَلَا يُورَثُ مَالُهُ إلَّا أَنْ يَثْبُتَ مَوْتُهُ أَوْ يَنْقَضِيَ أَجَلُ تَعْمِيرِهِ , وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ . وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ يُضْرَبُ لِلزَّوْجَةِ سَنَةٌ بَعْدَ الْبَحْثِ , وَالْيَأْسِ عَنْهُ , وَتَعْتَدُّ بَعْدَ انْقِضَائِهَا , وَتَتَزَوَّجُ إنْ شَاءَتْ , وَيَبْقَى مَالُهُ إلَى انْقِضَاءِ أَجَلِ التَّعْمِيرِ . وَالرَّابِعُ: وَهُوَ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ يُضْرَبُ لِزَوْجَتِهِ أَجَلٌ سَنَةً بَعْدَ الْبَحْثِ , وَالْيَأْسِ مِنْهُ فَإِذَا تَمَّتْ السَّنَةُ , وَلَمْ تَثْبُتْ لَهُ حَيَاةٌ حُكِمَ بِمَوْتِهِ فَتَعْتَدُّ زَوْجَتُهُ , وَيَرِثُهُ إذْ ذَاكَ , وَيُقَسَّمُ مَالُهُ , وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الَّذِي أَخَذَ بِهِ أَهْلُ الْأَنْدَلُسِ , وَجَرَى بِهِ الْعَمَلُ بِهَا , وَحَكَمَ بِهِ ابْنُ الْأَيْمَنِ فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ وَحَكَمَ بِهِ فِي , وَقْعَةِ قُتُنْدَةَ , وَغَيْرِهَا , وَهُوَ مُقْتَضَى مَا رَوَاهُ أَشْهَبُ , وَابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ فَفِيهَا قَالَ أَشْهَبُ: سُئِلَ مَالِكٌ رحمه الله تعالى عَنْ الْمَفْقُودِ فِي أَرْضِ الْإِسْلَامِ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ , وَفِي أَرْضِ الْعَدُوِّ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ كَمْ تَقْعُدُ امْرَأَتُهُ فَقَالَ: سَنَةً فَقِيلَ: لَهُ تَعْتَدُّ بَعْدَ السَّنَةِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ , وَعَشْرًا فَقَالَ: نَعَمْ تَعْتَدُّ لَهُ , وَمَتَى يُضْرَبُ لَهُ أَجَلٌ سَنَةً مِنْ يَوْمِ فَقْدِهِ أَوْ مِنْ يَوْمِ يَضْرِبُ لَهُ السُّلْطَانُ قَالَ مِنْ يَوْمِ يَضْرِبُ لَهُ السُّلْطَانُ , وَيَنْظُرُ فِي أَمْرِهَا , وَوَجْهُ هَذَا الْقَوْلِ هُوَ تَرْجِيحُ الْغَالِبِ عَلَى الْأَصْلِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَثْبُتَ أَنَّهُ رُئِيَ فِي الْمُعْتَرَكِ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ فَلَمَّا ثَبَتَ ذَلِكَ , وَلَمْ تُعْلَمْ لَهُ حَيَاةٌ بِطُولِ الْأَجَلِ بَعْدَ الْبَحْثِ عَنْهُ كَانَ الْغَالِبُ مِنْ أَمْرِهِ الْمَوْتَ فَرَجَحَ عَلَى الْأَصْلِ , وَهُوَ الْحَيَاةُ , وَحُكِمَ بِمَوْتِهِ , وَلَمْ يَتَبَعَّضْ فِيهِ الْحُكْمُ فَاعْتَدَّتْ زَوْجَتُهُ , وَوَرِثَهُ وَرَثَتُهُ , وَحُكْمُ هَذَا الْأَجَلِ السَّنَةِ حُكْمُ الْأَرْبَعَةِ الْأَعْوَامِ . قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا سِوَى أَنَّ هَذَا سَنَةٌ , وَذَلِكَ أَرْبَعُ سِنِينَ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ يَوْمِ يَضْرِبُهُ السُّلْطَانُ , وَيَنْظُرُ فِي أَمْرِهِ , وَالْعِدَّةُ بَعْدَ انْقِضَائِهِ فَهُمَا سَوَاءٌ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ مِنْ إجْرَاءِ النَّفَقَةِ فِيهِ عَلَى الزَّوْجَةِ , وَغَيْرِهَا مِمَّنْ يَلْزَمُ الْمَفْقُودَ نَفَقَتَهُ , وَإِنْ مَاتَ مَنْ يَرِثُهُ فِي أَثْنَاءِ الْأَجَلِ فَلَا مِيرَاثَ بَيْنَهُمَا , وَغَيْرَ ذَلِكَ فَإِذَا تَمَّتْ السَّنَةُ حُكِمَ بِمَوْتِهِ فَتَعْتَدُّ عِنْدَ ذَلِكَ زَوْجَتُهُ , وَتَرِثُهُ , وَرَثَتُهُ إذْ ذَاكَ , ثُمَّ قَالَ فَإِذَا تَمَّ هَذَا الْأَجَلُ , وَلَمْ يَثْبُتْ لِلْمَفْقُودِ حَيَاةٌ , وَلَا مَوْتٌ ثَمَّ الْحُكْمُ بِمَوْتِهِ فَتَعْتَدُّ زَوْجَتُهُ مِنْ بَعْدَ انْقِضَائِهِ , وَيَرِثُهُ وَرَثَتُهُ الْأَحْيَاءُ إذْ ذَاكَ , وَتَنْقَطِعُ النَّفَقَةُ عَنْ الزَّوْجَةِ , وَغَيْرِهَا مِمَّنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ , وَلَا يَحْتَاجُ فِي ذَلِكَ إلَى تَجْدِيدِ حُكْمٍ مِثْلُ الْأَجَلِ الْمُتَقَدِّمِ فِي الْمَفْقُودِ فِي غَيْرِ الْقِتَالِ سَوَاءٌ كَانَ الْأَجَلُ فِي هَذَا سَنَةً ; لِأَنَّ السَّنَةَ تُضْرَبُ فِي الشَّرْعِ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَحْكَامِ كَأَجَلِ الْمُعْتَرِضِ , وَعُهْدَةِ السَّنَةِ , وَغَيْرِ ذَلِكَ . وَهَذَا الْقَوْلُ عَلَى الْحُكْمِ بِالْغَالِبِ , وَتَرْجِيحِهِ عَلَى الْأَصْلِ كَمَا تَقَدَّمَ , وَهُوَ مُقْتَضَى رِوَايَةِ أَشْهَبَ وَابْنِ نَافِعٍ , وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ الْآخَرُ , وَهُوَ مُقْتَضَى الرِّوَايَةِ الْمَذْكُورَةِ إلَّا أَنَّهُ حَكَمَ بِذَلِكَ فِي الزَّوْجَةِ فَقَطْ , وَبَقِيَ فِي الْمَالِ عَلَى الْأَصْلِ , وَهُوَ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ , وَتَكَلَّمَ ابْنُ رُشْدٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَرَجَّحَ فِي الشَّرْحِ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ , وَرَجَّحَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ هَذَا الْقَوْلَ بِأَنَّهُ يُحْكَمُ بِمَوْتِهِ بَعْدَ السَّنَةِ فِي الزَّوْجَةِ , وَالْمَالِ , وَحَمَلَ الرِّوَايَةَ عَنْ مَالِكٍ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَوْضِعَيْنِ عَلَى مَا رَجَّحَهُ بِهِ فِيهِ , وَهِيَ مُحْتَمِلَةٌ لِلْوَجْهَيْنِ . وَأَمَّا الْمَفْقُودُ فِي قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ فِي الْفِتَنِ الَّتِي تَكُونُ بَيْنَهُمْ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ فِي الْمَذْهَبِ: أَحَدُهَا أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْمَفْقُودِ فِي غَيْرِ الْمُعْتَرَكِ . وَالثَّانِي أَنَّهُ يُؤَجَّلُ سَنَةً , ثُمَّ تَعْتَدُّ امْرَأَتُهُ بَعْدَهَا ,

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت