وقد ضربنا مثلا لذلك: لفظة (التصوف) فقد حملت هذه الكلمة على مرّ العصور، بعض المعاني السيئة، من السلبية، والجبرية، والابتداع، والرضا بالشركيات المعروفة عند الوثنيات، وتقديس الأولياء، وتصديق الخرافات، إلى غير ذلك من المفاهيم والأخلاق والأعمال والأحوال. كما حملت من الناحية النظرية أفكارا وعقائد مضادة للإسلام، كالحلول ووحدة الوجود ونحوها.
ومن هنا رفض بعض الناس (التصوف) جملة وتفصيلا، وأنكر على المتصوفين كافة، حتى المعتدلين منهم، الوقافين عند الكتاب والسنة. مع أن لدى هؤلاء ثروة غير ضئيلة في تربية الأنفس، وتطهيرها، وعلاج أمراض القلوب، وتخليتها من خبائث الرذائل، ومكارم الأخلاق، وحقائق الإيمان. وهذه الثروة الفكرية الروحية لا غنى عنها لداعية أو مربٍّ، يريد أن يقود الناس إلى الله، ويشدهم إلى ساحة رضاه.
يقول الرجل الرباني الداعية الكبير أبو الحسن الندوي في كتابه: (ربانية لا رهبانية) : (إن للمصطلحات والأسماء الشائعة بين الناس للأشياء جناية على الحقائق، ولهذه الجناية قصة طويلة في كل فن ولغة، وفي كل أدب ودين، فإنها تولد كائنًا آخر تنشأ عنه الشبهات وتشتد حوله الخصومات، وتتكون فيه المذاهب وتُستخدم لها الحجج والدلائل ويحمى فيها وطيس الكلام والخصام.
فلو عدلنا عن هذه المصطلحات المحدثة، وعن هذه الأسماء العرفية ورجعنا إلى الماضي، وإلى الكلمات التي كان يعبر بها الناس عن هذه الحقائق في سهولة وبساطة، وإلى ما كان ينطق به رجال العهد الأول والسلف الأقدمون، انحلت العقدة، وهان الخطب واصطلح الناس.
ومن هذه المصطلحات والأسماء العرفية التي شاعت بين الناس (التصوف) ومن هنا ثارت أسئلة وبحوث، وتساءل الناس ما مدلول الكلمة وما مأخذها؟ هل هو من الصوف، أو من الصفاء، أو من الصفو؟ أو هي مأخوذة من الكلمة اليونانية (صوفيا) ومعناها: (الحكمة) ؟