ومتى حدثت هذه الكلمة؟ ولم نعرف لها أثرا في الكتاب والسنة، وما جاءت في كلام الصحابة رضي الله عنه والتابعين لهم بإحسان، وما عُرفت في خير القرون، وكل ما كان هذا شأنه، فإنه من البدع المحدثة، وقد حميت المعركة بين أصدقائه وخصومه، والموافقين والمعارضين، حتى تكونت بذلك مكتبة كبيرة، يصعب استعراضها.
أما إذا عدلنا عن هذا المصطلح الذي نشأ وشاع في القرن الثاني، ورجعنا إلى الكتاب والسنة وعصر الصحابة والتابعين، وتأملنا في القرآن والحديث، وجدنا القرآن ينوه بشعبة من شعب الدين ومهمة من مهمات النبوة، يعبر عنها بلفظ (التزكية) ويذكرها كركن من الأركان الأربعة التي بعث الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم لتحقيقها وتكميلها {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأمُّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الجمعة: 2] .
وهي تزكية النفوس وتهذيبها وتحليتها بالفضائل وتخليتها من الرذائل. التزكية التي نرى أمثلتها الرائعة في حياة الصحابة رضوان الله عليهم وإخلاصهم وأخلاقهم، والتي كانت نتيجتها هذا المجتمع الصالح الفاضل المثالي، الذي ليس له نظير في التاريخ، وهذه الحكومة العادلة الراشدة التي لا مثيل لها في العالم.
ووجدنا لسان النبوة يلهج بدرجة هي فوق درجة الإسلام والإيمان، ويعبر عنها بلفظ: (الإحسان) ، ومعناه كيفية من اليقين والاستحضار يجب أن يعمل لها العاملون، ويتنافس فيها المتنافسون، فيُسألُ الرسول صلى الله عليه وسلم ما الإحسان؟ فيقول: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» (1) .
ووجدنا الشريعة وما أثر عن الرسول صلى الله عليه وسلم من الأقوال والأحوال ودُ وِن في الكتب ينقسم بين قسمين: أفعال وهيئات وأمور محسوسة، كقيام وقعود، وركوع
(1) سبق تخريجه.