و (ذكرى) مضافة إلى حبيب، و (منزل) معطوف على (حبيب) . وهذا معنى قولنا: لم يكن قائلا للشعر إلا من جهة توخي معاني النحو في معاني الكلم.
القانون الرابع: في معرفة الفصاحة [1] :
لا يعدو الكلام الفصيح قسمين:
أحدهما: المفردات التي فيها مجاز أو اتساع [2] ، كقول ابن هرمة [3] :
ولا أبتاع إلاّ قريبة الأجل [4]
(1) «البرهان» (( 49 ) )، «التبيان» (( 159 ) ). والفصاحة لغة تعني البيان والظهور. وفي الاصطلاح عبارة عن الألفاظ البينة الظاهرة المتبادرة إلى الفهم والمأنوسة الاستعمال بين الكتاب والشعراء لمكان حسنها. وتقع الفصاحة صفة للكلمة المفردة وكذلك للكلام، وتطلق أيضا صفة على المتكلم. ولها شروط وأحوال تنظر في: «الإيضاح» (( 2) / (1) ، «مفتاح العلوم» (( 653 ) )، «حسن التوسل» (( 102 ) )، «جواهر البلاغة» (( 6 ) ).
(2) في هذا القسم تعزى المزية إلى النظم، وهو الكناية والتمثيل الجاري على حد الاستعارة.
وقول ابن هرمة الذي يستشهد به المؤلف هنا هو من هذا الباب، أي من الكناية المطلوب بها إثبات صفة بعيدة. فالشاعر يريد وصف نفسه بأنه مضياف ولكنه لا يصرح بهذه الصفة بحيث يفهمها السامع مباشرة وإنما استعمل كلاما فيه نقلات عديدة ليصل بواسطتها إلى تلك الصفة البعيدة.
(3) هو إبراهيم بن علي بن سلمة المشهور بابن هرمة (بفتح الهاء وسكون الراء) ، كنيته أبو إسحاق. من مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية. ولد سنة (( 70) ه) ونشأ بالمدينة المنورة ورحل إلى دمشق مادحا الوليد بن يزيد ثم وفد على الخليفة المنصور فتجهم له ثم أكرمه. كان من شعراء الغزل المجيدين، وله أشعار لطيفة في مدح آل البيت، وهو آخر الشعراء الذين يحتجّ بشعرهم. توفي سنة (( 176) ه) في خلافة الرشيد. (ينظر:
«الشعر والشعراء» (( 175 ) )، «الخزانة» (( 424) / (1 ) )).
(4) هذا عجز بيت، صدره:
لا أمتع العوذ بالفصال ولا
وهو من البحر المنسرح. وتجده في: «دلائل الإعجاز» (( 207 ) )، «تهذيب الإيضاح» (( 2) / (260 ) ). - والعوذ: جمع عائذ وهي الناقة الحديثة النتاج، والفصال: جمع فصيل وهو ولد الناقة.
والشاعر أراد في صدر البيت: أنه يباشر ذبح النوق بعد ولادة هذه النوق لفصالها ولا يتركها تتمتع برؤيتها. وفي عجز البيت أراد أنه لا يشتري من النوق إلا التي قد قرر نحرها عاجلا. فالشاعر هنا انتقل من عدم إمتاع النوق بأولادها إلى معنى أنه لا يبقي لها فصالها لتأنس بها وتفرح برؤيتها وهذا يعني أنه نحرها ليمنعها من ذلك، وبالتالي فهو ينتقل من هذه الصفة إلى معنى أنه مضياف وكريم.