و مراده أنه لا يشتري بعيرا أو شاة إلا للضياف.
وإذا رشحت الاستعارة، ترقى حسنها الذروة العليا [1] ، مثاله قوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ [2] [البقرة:
(16) ]. لما ذكر الشراء ثنى بالتجارة لتحقق المعاوضة، ونفى الربح عنها لتحقق المعاوضة، وثلث بقوله: وَما كانُوا مُهْتَدِينَ [3] [البقرة: (16) ]
(1) وهو أن تأتي بما هو من شكله وتقضيه بما هو من توابعه، وهذا ما يسمى بالمجاز المرشح.
(2) جزء آية تمامها: أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ [البقرة: (16) ] .
وقال الزمخشري في «الكشاف» (( 190) / (1 ) ): ومعنى اشتراء الضلالة بالهدى: اختيارها عليه واستبدالها به على سبيل الاستعارة؛ لأن الاشتراء فيه إعطاء بدل وأخذ آخر ... فإن قلت: كيف أسند الخسران إلى التجارة وهو لأصحابها؟ قلت: هو من الإسناد المجازي، وهو أن تسند الفعل إلى شيء يتلبس بالذي هو في الحقيقة له كما تلبست التجارة بالمشترين. فإن قلت: هل يصح: (ربح عبدك وخسرت جاريتك) على الإسناد المجازي؟ قلت: نعم إذا دلت الحال وكذلك الشرط في صحة: (رأيت أسدا) وأنت تريد المقدام إن لم تقم حال دالة لم يصح. فإن قلت: هب أن شراء الضلالة بالهدى وقع مجازا في معنى الاستبدال، فما معنى ذكر الربح والتجارة كأن ثم مبايعة على الحقيقة؟ قلت: هذا من الصنعة البديعة التي تبلغ بالمجاز الذورة العليا، وهو أن تساق كلمة مساق المجاز ثم تقفى بأشكال لها وأخوات إذا تلاحقن لم تر كلاما أحسن منه ديباجة وأكثر ماء ورونقا، وهو المجاز المرشح.
(3) جزء آية ذكرناها في الهامش السابق. وفي توجيهها ذكر الزمخشري في «الكشاف» (( 1) / - - (194 ) ): فإن قلت: فما معنى قوله: فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ؟ قلت:
معناه إن الذي يطلبه التجار في متصرفاتهم شيئان: سلامة رأس المال، والربح. وهؤلاء قد أضاعوا الطّلبتين معا لأن رأس مالهم كان هو الهدى فلم يبق لهم مع الضلالة. وحين لم يبق في أيديهم إلا الضلالة لم يوصفوا بإصابة الربح وإن ظفروا بما ظفروا به من الأغراض الدنيوية؛ لأن الضال خاسر دامر؛ ولأنه لا يقال لمن لم يسلم له رأس ماله قد ربح. وما كانوا مهتدين لطرق التجارة كما يكون التجار المتصرفون العالمون بما يربح فيه ويخسر لما جاء بحقيقة صفتهم عقبها بضرب المثل زيادة في الكشف وتتميما للبيان.