أبالجيد أم مجرى الوشاح وإنني ... لأتهم عينيها مع الفاحم الجعد [1]
ومن ثم امتنع أن نقول: (كلّهم لم يأتني ولكن أتاني بعضهم) ؛ للتناقض [2] .
تذنيب:
حرف النفي إذا تقدم على (كل) لفظا أو تقديرا، فالمعنى على نفي الشمول دون نفي الفعل. فإذا لم يدخل حرف النفي على (كل) كان المعنى على نفي الفعل عن (كل) ؛ ولذلك صح قوله [3] :
ما كلّ ما يتمنى المرء يدركه [4]
(1) الجيد: العنق، مجرى الوشاح: ما يغطيه الوشاح من جسم المرأة كالرأس أو الوجه أو الصدر، أتهم: أدخل التهمة، وأتهمته: إذا أدخلت عليه التهمة، الفاحم: الأسود، الجعد: السهل الكريم ويقصد به الشعر.
ومعنى البيتين: أن سهامها كلها قاتلة لا يوجد فيها مكد أي مانع عن القتل بكل حال من الأحوال، ولذلك قدم (كل) على النفي ولو أخرها لأفاد أن بعض سهامها مكد.
(2) أي لأن هذا القول: (كلهم لم يأتني ولكن أتاني بعضهم) يؤدي إلى التناقض في المعنى، إذ إن أول هذا القول يوحي بعدم مجيء الكل وما يحويه هذا الكل من أبعاض، بينما آخر القول يوحي بمجيء بعض من ذلك الكل. فهذا هو التناقض الذي يقصده المؤلف.
(3) القائل هو أبو الطيب المتنبي، وقد سبقت ترجمته.
(4) تمام هذا البيت:
(تجري الرياح بما لا تشتهي السفن)
وهو من البحر البسيط، وتجده في: «ديوانه» (( 360 ) )، «البرهان» (( 149 ) )، «التبيان» (( 58 ) )، «دلائل الإعجاز» (( 230 ) )، «الإيضاح» (( 66) / (1 ) ). وتوجيه البيت: إن المرء يدرك بعض ما يتمناه دون بعض، ولو قدمت (كل) وقلت: كل ما يتمناه المرء لا يدركه، لصار المعنى أن المرء لا يدرك شيئا مما يتمناه، وهذا المعنى لم يرده الشاعر. -