إذا غيّر النأي المحبّين لم يكد ... رسيس الهوى من حبّ ميّة يبرح [1]
ب (لم أجد) [2] . والذي غرّ هؤلاء أنه في العرف يقال: (ما كاد يفعل) لفعل قد فعل بعد جهد. فإن (كاد) موضوعة لقرب الحصول، فكيف يكون نفيها موجبا لوجود الفعل.
ومن قسم الحرف [3] : (إنّ) [4] وتفيد ربطا بين
(1) البيت من البحر الطويل. ومعنى الرسيس: أول المس، يقال: رسيس الحمّى ورسّها بمعنى واحد وهو أول مسها، ومنه رسيس الهوى. ويبرح: يزول. والبيت موجود في:
«ديوانه» (( 77 ) )، و «دلائل الإعجاز» (( 211 ) )، و «الكشاف» (( 69) / (3 ) )، و «التبيان» (( 60 ) )، و «البرهان» (( 153 ) )، و «حسن التوسل» (( 178 ) ).
(2) تغيير ذي الرمة المذكور هنا هو تغييره لفظ (يكد) الوارد في البيت إلى لفظ (يجد) . ولهذا التغيير قصة أوردها المؤلف في كتابيه «التبيان» (( 60 ) )و «البرهان» (( 153 ) )كالآتي: قال عنبسة: قدم ذو الرمة الكوفة فوقف ينشد الناس قصيدته الحائية التي منها:
هي البرء والأسقام والهم والمنى ... وموت الهوى في القلب مني المبرح
وكان الهوى بالنأي يمحي ويمحي ... وحبك عندي يستجد ويربح
إذا غير النأي المحبين لم يكد ... رسيس الهوى من حب مية يبرح
فلما انتهى إلى هذا البيت ناداه ابن شبرمة: أتراه قد برح؟ قال: فشنق بناقته (كفّها بزمامها) وجعل يتأخر بها ويفكر ثم قال: إذا غير النأي المحبين لم أجد. قال: فلما انصرفت حدثت أبي فقال: أخطأ ابن شبرمة حيث أنكر على ذي الرمة ما أنكر، وأخطأ ذو الرمة حيث غيّر شعره بقول ابن شبرمة، وإنما هذا كقوله تعالى: ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها وإنما هو لم يرها ولم يقارب أن يراها.
(3) ذكر المؤلف في كتابه «التبيان» (( 61 ) )هذا الحرف: إنّ، وذكر معه: إنما، والهمزة، وما ولا، ولا ولو، ولا ولن. أما في كتابه «البرهان» (( 156 ) )، فقد ذكر: إنّ، وذكر بعدها:
إنما، والهمزة، وما وإلا، ولو، ولا ولن، وأما.
(4) هذا الحرف يفيد التوكيد عند النحويين، ويفيد الجواب عند بعضهم. وقد ذكروا له عشرة معان. وتجد أحواله ومعانيه مبسوطة في: «المقتصد في شرح الإيضاح» (( 443) / (1 ) )وما بعدها، و «الجنى الداني» (( 379 ) )وما بعدها، و «مغني اللبيب» (( 36) / (1 ) )وما بعدها، و «معاني النحو» (( 308) / (1 ) ).