فهرس الكتاب
مِثْلُنا؟ [1] [إبراهيم: (10) ] .
قلت: لما جعلوا الرسل بادعائهم الرسالة كمن أخرج نفسه من (6) /ظ/ البشرية، أخرج اللفظ ذلك المخرج [2] .
وقول الرسل: إِنْ نَحْنُ إِلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ [3] [إبراهيم: (11) ] إعادة
(1) جزء من آية تمامها: قالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلّا بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ [إبراهيم: (10) ] .
ومعنى قول المؤلف هنا: (فإن قلت: كيف تصنع ... إلخ) ، أنه قد يعترض معترض بأن هذه الآية جاءت شبيهة بقول القائل: (ما مصعب إلا شهاب) ، حيث وردت أيضا بصيغة النفي والاستثناء. فهل هي خارجة عن المبالغة كما خرج عنها قول القائل عندما أدخل (ما) و (إلا) على قول الشاعر؟
(2) ينظر: «البرهان» (( 166 ) )، «التبيان» (( 67 ) ).
ومعنى كلام المؤلف هنا، أن الكافرين اعتقدوا أنه لا يمكن اجتماع الرسالة والنبوة مع كون الرسول بشرا فاحتجوا على الرسل قائلين بأنكم بشر مثلنا فكيف تدعون الرسالة؟ فكانوا يتصورون أن الرسل كان قصدهم بادعائهم الرسالة أنهم يريدون إخراج أنفسهم من البشرية والآدمية، بينما لم يرد الرسل هذا أبدا وإنما هو وهم وتصور من الكفار والرسل بعيدون عنه.
(3) جزء من آية تمامها: قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلكِنَّ اللّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلّا بِإِذْنِ اللّهِ وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [إبراهيم: (11) ] .
وبخصوص هذا الاستثناء الوارد في قول الكفار الموجه إلى رسلهم: قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلّا بَشَرٌ مِثْلُنا وكذلك الاستثناء الوارد في جواب الرسل: إِنْ نَحْنُ إِلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، يقول الشهاب القرافي في «الاستغناء» (( 298 ) ): (حصرهم الكفار في البشرية وهم أيضا حصروا أنفسهم فيها، فهل بين الحصرين من فرق أم لا؟ وما المستثنى وما المستثنى منه؟) ثم يجيب على هذا قائلا:(إن حصر الكفار لهم حصر مطلق، وتقديره: ما أنتم إلا مثلنا مطلقا في نفس الأمر ليس لكم مزية على ما نحن فيه. فحصروا رسلهم في صفات البشرية المعتادة ليمنعوهم من الاتصاف بغيرها في الواقع. وأما حصر الرسل فليس على - - الإطلاق، بل حصروا أنفسهم في البشرية المعتادة باعتبار ذواتهم مع قطع النظر عن تفضل اللّه تعالى عليهم، فهم يقولون: أما نحن من حيث ذواتنا فليس لنا إلا البشرية الصرفة، وإنما جاءنا ما ندعيه من الرسالة من فضل ربنا لا من ذواتنا. فلم يمنعوا في حصرهم الاتصاف بالرسالة الربانية مطلقا بل من جهة ذواتهم خاصة كما قال اللّه تعالى:
إِنْ هُوَ إِلّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ أي ليس له من ذاته إلا العبودية وما زاد على ذلك فمن إنعام اللّه تعالى عليه به. وأما الكفار فسلبوا في حصرهم سلبا عاما، وسلب الرسل خاص.
وأما الثبوت في الكلامين فواحد، إنما افترقا من جهة السلبين. فهذا هو الفرق بين الحصرين والاستثناءين).