قوله سبحانه: قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلّهِ مِنْ دُونِ النّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ * وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ [الجمعة: (6) - (7) ] ، فقابله بحرف الشرط إذ يعم الأوقات لإبهامه. وجاءت (لن) في قوله: قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ * وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ [1] [البقرة: (94) - (95) ] ؛ لأن (كان) تدل على الحدوث، كأنه قيل: إن كانت وجبت لكم الدار الآخرة فتمنوا الموت الآن.
وعلى هذا، لفظ الأبد هنا للزمن القريب تفخيما لأمره [2] . وتحقق أنه الزمن القريب قوله عليه السلام: «لو تمنّوا الموت لغصّ كلّ إنسان بريقه فمات مكانه وما بقي على وجه الأرض يهودي» [3] .
ومما يؤيد ما ذكرناه في معناهما، إتيان (لن) في قوله سبحانه: لَنْ تَرانِي [4] [الأعراف: (143) ] وإتيان (لا) / (10) ظ/في قوله: لا تُدْرِكُه
(1) وقال الرازي في «تفسيره» (( 192) / (3 ) ): (فلم ذكر ههنا(لن) وفي سورة الجمعة (لا) ؟ قلنا: إنهم في هذه السورة ادّعوا أن الدار الآخرة خالصة لهم من دون الناس، وادعوا في سورة الجمعة أنهم أولياء للّه من دون الناس. واللّه تعالى أبطل هذين الأمرين بأنه لو كانت كذلك لوجب أن يتمنوا الموت. والدعوى الأولى أعظم من الثانية؛ إذ السعادة القصوى هي الحصول في دار الثواب، وأما مرتبة الولاية فهي وإن كانت شريفة إلا أنها إنما تراد ليتوسل بها إلى الجنة. فلما كانت الدعوى الأولى أعظم لا جرم بيّن اللّه تعالى فساد قولهم بلفظ (لن) ؛ لأنه أقوى الألفاظ النافية. ولما كانت الدعوى الثانية ليست في غاية العظمة لا جرم اكتفى في إبطالها بلفظ (لا) لأنه ليس في نهاية القوة في إفادة معنى النفي واللّه أعلم). وينظر مثل هذا الكلام في: «درة التنزيل» للإسكافي (( 24 ) ).
(2) أي أن لفظ (أبدا) الوارد في الآية السابقة فخمت وهولت الزمن القريب وأعطته معنى الزمن الطويل.
(3) ينظر: «البرهان» (( 194 ) )، «التبيان» (( 85 ) )، «معاني القرآن» (( 62) / (1 ) ).
(4) جزء من آية تمامها: وَلَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي - - وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمّا تَجَلّاى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقًا فَلَمّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ [الأعراف: (143) ]