اسأله الحوائج بعزة أو ذل، فإن الأمور تجري بالمقادير، ولا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه، وشرف المؤمن قيامه بالليل، وعزه استغناؤه عن الناس، لماذا أنت عزيز؟ لأنك تعرف الله، لماذا أنت لا تنافق؟ لماذا لا تتضعضع أمام قوي؟ كلام السحرة شيء لا يصدق:
{فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا}
(سورة طه)
أيها الإخوة، دعاء الله عز وجل أحد أسبابه معرفته، فلذلك تكاد الأسماء الحسنى تشكل أكبر حيز في العقيدة الإسلامية.
دخلت إلى بيت صديقك، والصديق مشغول، رأيت في غرفة الضيوف إنسانا تسأله: ما اسم الكريم؟ يا ترى هل يكفي أن يقول لك اسمه؟ ماذا تعمل؟ متزوج؟ إلى أين وصلت في الدراسة؟ لا يمكن أن تكون المعرفة تامة إلا إذا عرفت عنه أكثر الأشياء، فالله خالق السماوات والأرض، هل عرفت رحمته؟ هل عرفت عدله؟ هل عرفت لطفه؟ هل عرفت محبته؟ إن عرفته دعوته، وإن عرفته زهدت فيما سواه، إن عرفته أقبلت عليه، إن عرفته سألته، إن عرفته استغفرته، إن عرفته تبت إليه، إن عرفته توكلت عليه، إن عرفته لا يمكن أن تحزن، لا يجتمع الحزن مع معرفة الله.
تصور مجند في جيش والده قائد جيش، هل يمكن أن يخاف من عريف؟ هل لو هدده عريف لا ينام الليل؟ والده بيده أعلى الرتب، فحينما تعرف من هو أبوك، وما علاقته بهذا الجيش لا تعبأ بأي تهديد، لذلك قالوا: كلمة الحق لا تقطع رزقا، ولا تقرّب أجلًا.
{الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ (39) }
(سورة الأحزاب)
لو أنهم خافوا من غير الله فسكتوا عن الحق خوفًا من هذا القوي، بل نطقوا بالباطل إرضاءً له ماذا بقي من دعوتهم؟ انتهت دعوتهم.
سئل الحسن البصري: بمَ نلت هذا المقام؟ قال: بشيئين، باستغنائي عن دنيا الناس، وحاجتهم إلى علمي.
في آخر الزمان يستغني الأمير عن علم العالم، والعالم بحاجة إليه، انتهت الدعوة.