النوع الأول هو عبادة الهوية، أنت من؟ كل واحد منا له موقع في المجتمع، فقد يكون غنيًا، فالغني عبادته الأولى إنفاق المال، بل إن المال مادة امتحانه الأولى، فإما أن ينجح في إنفاق المال في الوجوه التي ترقى به في الآخرة، وإما أن ينفق هذا المال على شهواته ونزواته، لذلك ورد في الأثر القدسي: (( عبدي أعطيتك مالا فماذا صنعت فيه؟ في الآخرة لسان الحال لا لسان المقال، يقول: يا رب لم أنفق منه شيئًا مخافة الفقر على أولادي من بعدي، فيقول الله له: ألم تعلم بأني الرزاق ذو القوة المتين؟ إن الذي خشيته على أولادك من بعدك قد أنزلته بهم - يسأل عبد آخر - أعطيتك مالًا فماذا صنعت في؟ يقول: يا رب أنفقته على كل محتاج ومسكين، لثقتي بأنك خير حافظًا، وأنت أرحم الراحمين، فيقول الله له: أنا الحافظ لأولادك من بعدك ) ).
[ورد في الأثر]
لذلك قد يكون موقع الإنسان في الحياة أنه غني، والغني عبادته الأولى إنفاق المال، الآن سوف نسمي هذه العبادة عبادة الهوية، أنت من؟ هناك إنسان آخر قوي يحتل منصبا رفيعا بجرّة قلمٍ يحق حقًا، ويبطل باطلًا، بجرة قلم يقر معروفًا، ويزيل منكرًا، والإنسان كلما علا موقعه في مجتمعه اتسعت رؤيته.
أذكر مرة أنني أتيت إلى دمشق بالطائرة من قبرص، وحينما دخلنا سواحل بلدنا الطيب رأيت بيروت وطرابلس معًا، على ارتفاع أربعين ألف قدم يتاح لك أن ترى مئة كيلو متر معًا، علمتني هذه الرؤية درسًا؛ أنه كلما ارتفع مقام الإنسان تتسع رؤيته، وكلما ارتفع مقام الإنسان تزداد مسئوليته، معلم في صف مسئول عن ثلاثين طالبا، لكن مدير المدرسة مسئول عن ثلاثمئة وستين طالبا، لكن مدير التربية مسئول عن محافظة، إلا أن وزير التربية مسئول عن المناهج في البلاد كلها، فكلما ارتفع مقام الإنسان ازدادت مسئوليته، وهذا ما دعا سيدنا عمر بن الخطاب إلى أن يقول: >.