عَلَى قَوْلِ السَّلَفِ الْمُتَقَدِّمِ , فَإِنَّ الْإِيمَانَ دَرَجَاتٌ بِحَسَبِ قُوَّةِ التَّصْدِيقِ لِوُضُوحِ الْأَدِلَّةِ وَجَوْدَةِ الْفَهْمِ. وَيَزِيدُ الْإِيمَانُ بِالطَّاعَاتِ , وَيَنْقُصُ بِالْمَعَاصِي , وَيُفَاضَلُ النَّاسُ فِيهِ. وَاسْتَشْهَدَ لَهُمْ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إيمَانًا} وَقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ {يَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إيمَانٍ} .
2 -الْإِسْلَامُ لُغَةً: الِاسْتِسْلَامُ , وَشَرْعًا: النُّطْقُ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَالْعَمَلُ بِالْفَرَائِضِ , فَالْإِيمَانُ أَخَصُّ مِنْ الْإِسْلَامِ , إذْ يُؤْخَذُ فِي مَعْنَى الْإِيمَانِ - مَعَ النُّطْقِ وَالْعَمَلِ - التَّصْدِيقُ , وَالْإِحْسَانُ أَخَصُّ مِنْ الْإِيمَانِ. فَكُلُّ مُحْسِنٍ مُؤْمِنٌ , وَكُلُّ مُؤْمِنٍ مُسْلِمٌ , وَلَا عَكْسَ. قَالَ الْأَزْهَرِيُّ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {قَالَتْ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلْ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} قَالَ: الْإِسْلَامُ إظْهَارُ الْخُضُوعِ وَالْقَبُولِ لِمَا أَتَى بِهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَبِهِ يُحْقَنُ الدَّمُ. فَإِنْ كَانَ مَعَ ذَلِكَ الْإِظْهَارِ اعْتِقَادٌ وَتَصْدِيقٌ بِالْقَلْبِ فَذَلِكَ هُوَ الْإِيمَانُ , الَّذِي يُقَالُ لِلْمَوْصُوفِ بِهِ هُوَ مُؤْمِنٌ مُسْلِمٌ. فَأَمَّا مَنْ أَظْهَرَ قَبُولَ الشَّرِيعَةِ وَاسْتَسْلَمَ ; لِدَفْعِ الْمَكْرُوهِ , فَهُوَ فِي الظَّاهِرِ مُسْلِمٌ , وَبَاطِنُهُ غَيْرُ مُصَدِّقٍ , فَذَلِكَ الَّذِي يَقُولُ: أَسْلَمْت. وَحُكْمُهُ فِي الظَّاهِرِ حُكْمُ الْمُسْلِمِينَ. وَفِي الْعَقَائِدِ النَّسَفِيَّةِ وَشَرْحِهَا أَنَّ الْإِيمَانَ وَالْإِسْلَامَ شَيْءٌ وَاحِدٌ , أَوْ أَنَّ أَحَدَهُمَا لَا يَنْفَكُّ عَنْ الْآخَرِ. وَيَرَى بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْإِيمَانَ وَالْإِسْلَامَ إذَا أُفْرِدَ أَحَدُهُمَا دَخَلَ فِيهِ الْآخَرُ , وَدَلَّ بِانْفِرَادِهِ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْآخَرُ بِانْفِرَادِهِ. وَإِنْ قَرَنَ بَيْنَهُمَا تَغَايَرَا , عَلَى وِزَانِ مَا قَالُوهُ فِي (الْفَقِيرِ) (وَالْمِسْكِينِ)
3 -الْإِيمَانُ وَاجِبٌ , بَلْ هُوَ أَعْظَمُ الْفَرَائِضِ. وَلَا يُعْتَبَرُ التَّصْدِيقُ إلَّا مَعَ التَّلَفُّظِ بِالشَّهَادَتَيْنِ مِنْ الْقَادِرِ. وَالِامْتِنَاعُ مِنْ التَّلَفُّظِ - مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ - مُنَافٍ لِلْإِذْعَانِ. وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي جَوَازِ التَّقْلِيدِ فِي الْإِيمَانِ , عَلَى قَوْلَيْنِ. 4 - وَالْإِيمَانُ شَرْطٌ فِي قَبُولِ الْعِبَادَاتِ ; لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} وَقَوْلِهِ {وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا} وَنَحْوِهِمَا مِنْ الْآيَاتِ. أَمَّا صِحَّةُ الْأَعْمَالِ ظَاهِرًا وَجَرَيَانُ الْأَحْكَامِ عَلَى الشَّخْصِ , كَاسْتِحْقَاقِ الْمِيرَاثِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ , فَيُشْتَرَطُ لَهَا الْإِسْلَامُ فَقَطْ , إذْ التَّصْدِيقُ وَالِاعْتِقَادُ أَمْرٌ بَاطِنٌ لَا تَتَعَلَّقُ بِهِ الْأَحْكَامُ الظَّاهِرَةُ. وَقَدْ يَكُونُ الْإِسْلَامُ شَرْطَ وُجُوبٍ , كَوُجُوبِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْجِهَادِ حَيْثُ وَجَبَتْ , فَإِنَّمَا تَجِبُ ظَاهِرًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ. مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ , وَأَنَّ مَبَاحِثَ الْفِقْهِ مُنَصَّبَةٌ عَلَى الْأُمُورِ الظَّاهِرَةِ , فَإِنَّ الْفُقَهَاءَ يَسْتَعْمِلُونَ غَالِبًا فِي بَيَانِهِمْ لِلْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ لَفْظَ (الْإِسْلَامِ) , وَيَجْعَلُونَهُ مُتَعَلِّقُ الْأَحْكَامِ , دُونَ لَفْظِ (الْإِيمَانِ) وَلِذَلِكَ يُنْظَرُ مَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ (ر: إسْلَامٌ) .