صلى الله عليه وسلم وَالتَّطَهُّرِ مِنْ الرَّذَائِلِ الْبَاطِنَةِ كَالْحِقْدِ , وَالْحَسَدِ , وَالرِّيَاءِ فِي الْعَمَلِ , لَا يَدْخُلُ فِي مَبَاحِثِ الْفِقْهِ. وَمَوْطِنُهُ الْأَصْلِيُّ: كُتُبُ التَّوْحِيدِ , وَعِلْمُ الْأَخْلَاقِ.
5 -ذَهَبَ عَامَّةُ الْفُقَهَاءِ , وَمُحَقِّقُو الصُّوفِيَّةِ إلَى أَنَّ التَّوَكُّلَ عَلَى اللَّهِ لَا يَتَنَافَى مَعَ السَّعْيِ وَالْأَخْذِ بِالْأَسْبَابِ مِنْ مَطْعَمٍ , وَمَشْرَبٍ , وَتَحَرُّزٍ مِنْ الْأَعْدَاءِ وَإِعْدَادِ الْأَسْلِحَةِ , وَاسْتِعْمَالِ مَا تَقْتَضِيهِ سُنَّةُ اللَّهِ الْمُعْتَادَةُ , مَعَ الِاعْتِقَادِ أَنَّ الْأَسْبَابَ وَحْدَهَا لَا تَجْلُبُ نَفْعًا , وَلَا تَدْفَعُ ضَرًّا , بَلْ السَّبَبُ (الْعِلَاجُ) وَالْمُسَبَّبُ (الشِّفَاءُ) فِعْلُ اللَّهِ تَعَالَى , وَالْكُلُّ مِنْهُ وَبِمَشِيئَتِهِ , وَقَالَ سَهْلٌ: مَنْ قَالَ: التَّوَكُّلُ يَكُونُ بِتَرْكِ الْعَمَلِ , فَقَدْ طَعَنَ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. وَقَالَ الرَّازِيُّ فِي تَفْسِيرِ قوله تعالى {: وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْت فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} دَلَّتْ الْآيَةُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ التَّوَكُّلُ أَنْ يُهْمِلَ الْإِنْسَانُ نَفْسَهُ كَمَا يَقُولُ بَعْضُ الْجُهَّالِ وَإِلَّا كَانَ الْأَمْرُ بِالْمُشَاوَرَةِ مُنَافِيًا لِلْأَمْرِ بِالتَّوَكُّلِ. بَلْ التَّوَكُّلُ عَلَى اللَّهِ: أَنْ يُرَاعِيَ الْإِنْسَانُ الْأَسْبَابَ الظَّاهِرَةَ وَلَكِنْ لَا يُعَوِّلُ بِقَلْبِهِ عَلَيْهَا , بَلْ يُعَوِّلُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى. وَجُمْهُورُ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ التَّوَكُّلَ الصَّحِيحَ إنَّمَا يَكُونُ مَعَ الْأَخْذِ بِالْأَسْبَابِ. وَبِدُونِهِ تَكُونُ دَعْوَى التَّوَكُّلِ جَهْلًا بِالشَّرْعِ وَفَسَادًا فِي الْعَقْلِ. وَقِيلَ لِأَحْمَدَ: مَا تَقُولُ فِيمَنْ جَلَسَ فِي بَيْتِهِ وَمَسْجِدِهِ وَقَالَ لَا أَعْمَلُ شَيْئًا حَتَّى يَاتِيَ رِزْقِي. فَقَالَ أَحْمَدُ: هَذَا رَجُلٌ جَهِلَ الْعِلْمَ , أَمَا سَمِعَ قَوْلَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: {جُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي} . وَقَالَ عُمَرُ رضي الله عنه: لَا يَقْعُدُ أَحَدُكُمْ عَنْ طَلَبِ الرِّزْقِ وَيَقُولُ اللَّهُمَّ اُرْزُقْنِي , وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ السَّمَاءَ لَا تُمْطِرُ ذَهَبًا وَلَا فِضَّةً. وَقَدْ تَوَاتَرَ الْأَمْرُ بِالْأَخْذِ بِالْأَسْبَابِ فِي الْقُرْآنِ وَسُنَّةِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم. أَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ: {أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَأَرَادَ أَنْ يَتْرُكَ نَاقَتَهُ وَقَالَ: أَأَعْقِلُهَا وَأَتَوَكَّلُ , أَوْ أُطْلِقُهَا وَأَتَوَكَّلُ؟ فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: اعْقِلْهَا , وَتَوَكَّلْ} . وَقَالَ صلى الله عليه وسلم: {لَأَنْ يَاخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَاتِيَ بِحُزْمَةِ حَطَبٍ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَبِيعَهَا فَيَكُفَّ اللَّهُ بِهَا وَجْهَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ} . وَقَالَ تَعَالَى: {فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا} وَالْغَنِيمَةُ اكْتِسَابٌ , وَقَالَ تَعَالَى {فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} وَالضَّرْبُ عَمَلٌ , وَقَالَ: {فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ} وَقَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ} , وَقَالَ: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ} . وَأَمَرَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم بِالتَّدَاوِي: وَقَالَ {تَدَاوَوْا عِبَادَ اللَّهِ , فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَضَعْ دَاءً إلَّا وَضَعَ مَعَهُ الشِّفَاءَ} . وَقَالَ شَارِحُ ثُلَاثِيَّاتِ مُسْنَدِ أَحْمَدَ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ: وَصَفَهُمْ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: بِالْعُبُودِيَّةِ إيمَاءً إلَى أَنَّ التَّدَاوِيَ لَا يُنَافِي التَّوَكُّلَ: أَيْ تَدَاوَوْا وَلَا تَعْتَمِدُوا فِي الشِّفَاءِ عَلَى التَّدَاوِي. بَلْ كُونُوا مُتَوَكِّلِينَ عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى , فَالتَّدَاوِي لَا يُنَافِي التَّوَكُّلَ , كَمَا لَا يُنَافِيهِ رَفْعُ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَتَجَنُّبُ الْمُهْلِكَاتِ , وَالدُّعَاءُ بِطَلَبِ الْعَافِيَةِ وَدَفْعِ الْمَضَارِّ , وَقَالَ: وَفِي الْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ إثْبَاتٌ لِلْأَسْبَابِ , وَأَنَّهَا لَا تُنَافِي التَّوَكُّلَ عَلَى اللَّهِ لِمَنْ اعْتَقَدَ أَنَّهَا بِإِذْنِ اللَّهِ وَتَقْدِيرِهِ وَلَا تَشْفِي بِذَوَاتِهَا بَلْ بِمَا قَدَّرَ اللَّهُ فِيهَا. وَقَدْ قَرَنَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: التَّوَكُّلَ بِتَرْكِ الْأَعْمَالِ الْوَهْمِيَّةِ دُونَ غَيْرِهَا , جَاءَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ