18 -فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى إحْدَاهُمَا لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ إلَّا إذَا عَجَزَ عَنْ النُّطْقِ لِخَلَلٍ فِي لِسَانِهِ , أَوْ لِعَدَمِ التَّمَكُّنِ مِنْهُ لِمُعَاجَلَةِ الْمَنِيَّةِ لَهُ , أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَكُونُ مُؤْمِنًا , أَمَّا إذَا أَتَى بِالشَّهَادَتَيْنِ فَلَا يُشْتَرَطُ مَعَهُمَا أَنْ يَقُولَ: أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ دِينٍ خَالَفَ الْإِسْلَامَ , إلَّا إذَا كَانَ مِنْ الْكُفَّارِ الَّذِينَ يَعْتَقِدُونَ اخْتِصَاصَ رِسَالَةِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم لِلْعَرَبِ , فَإِنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ إلَّا بِأَنْ يُسْتَبْرَأَ. أَمَّا إذَا اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ , وَلَمْ يَقُلْ: مُحَمَّدٌ رَسُولٌ اللَّهِ , فَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَمَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُسْلِمًا , وَمِنْ أَصْحَابِنَا الشَّافِعِيَّةِ مَنْ قَالَ: يَكُونُ مُسْلِمًا , وَيُطَالَبُ بِالشَّهَادَةِ الْأُخْرَى , فَإِنْ أَبَى جُعِلَ مُرْتَدًّا , وَيُحْتَجُّ لِهَذَا الْقَوْلِ بِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: {أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ , فَمَنْ قَالَهَا فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إلَّا بِحَقِّهَا , وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ} . وَهَذَا مَحْمُولٌ عِنْدَ الْجَمَاهِيرِ عَلَى قَوْلِ الشَّهَادَتَيْنِ , وَاسْتُغْنِيَ بِذِكْرِ إحْدَاهُمَا عَنْ الْأُخْرَى لِارْتِبَاطِهِمَا وَشُهْرَتِهِمَا. وَجَاءَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ: سُئِلَ أَبُو يُوسُفَ عَنْ الرَّجُلِ كَيْفَ يُسْلِمُ , فَقَالَ: يَقُولُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ , وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ , وَيُقِرُّ بِمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ , وَيَتَبَرَّأُ مِنْ الدِّينِ الَّذِي انْتَحَلَهُ. وَفِيهِ أَنَّ النَّصْرَانِيَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ , وَيَتَبَرَّأُ مِنْ النَّصْرَانِيَّةِ , وَكَذَا الْيَهُودِيَّةُ وَغَيْرُهَا. وَأَمَّا مَنْ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَيُحْمَلُ عَلَى الْإِسْلَامِ إذَا قَالَ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ , أَوْ قَالَ: دَخَلْت دِينَ الْإِسْلَامِ , أَوْ دَخَلْت دِينَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم فَهُوَ دَلِيلُ إسْلَامِهِ , فَكَيْفَ إذَا أَتَى بِالشَّهَادَتَيْنِ. وَأَمَّا تَوْبَةُ الْمُرْتَدِّ فَهُوَ أَنْ يَتَبَرَّأَ مِنْ كُلِّ دِينٍ غَيْرِ دِينِ الْإِسْلَامِ , بَعْدَ أَنْ يَاتِيَ بِالشَّهَادَتَيْنِ , وَأَنْ يَتَبَرَّأَ مِمَّا انْتَقَلَ إلَيْهِ.
19 -جَاءَتْ الْآيَاتُ الْقُرْآنِيَّةُ الْكَرِيمَةُ مُجْمَلَةً بِالْأَوَامِرِ وَالْأَحْكَامِ فِيمَا يَخُصُّ هَذِهِ الْأَرْكَانَ , وَكَذَلِكَ فِي السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ , فَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ:"سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ {: بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ , وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ , وَإِقَامِ الصَّلَاةِ , وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ , وَالْحَجِّ , وَصَوْمِ رَمَضَانَ} . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ. وَأَيْضًا الْحَدِيثُ السَّابِقُ الْمَشْهُورُ بِحَدِيثِ جِبْرِيلَ."
الرُّكْنُ الْأَوَّلُ: شَهَادَةُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ , وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ:
20 -هَذِهِ الشَّهَادَةُ مِنْ أَوَّلِ مَا يَدْخُلُ بِهِ الْمَرْءُ فِي الْإِسْلَامِ , فَكَانَتْ أَوَّلَ وَاجِبٍ عَلَى الْمُكَلَّفِ يَتَحَتَّمُ عَلَيْهِ أَدَاؤُهُ تَصْدِيقًا وَاعْتِقَادًا وَنُطْقًا. وَأَئِمَّةُ السَّلَفِ كُلُّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ أَوَّلَ مَا يُؤْمَرُ بِهِ الْعَبْدُ الشَّهَادَتَانِ. وَقَدْ كَانَتْ رِسَالَاتُ كُلِّ الرُّسُلِ تَدْعُو إلَى التَّوْحِيدِ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الْكَلِمَةُ , وَالْإِقْرَارُ بِالْأُلُوهِيَّةِ وَالرُّبُوبِيَّةِ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وَقَدْ جَاءَ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِك مِنْ رَسُولٍ إلَّا نُوحِي إلَيْهِ أَنَّهُ لَا إلَهَ إلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} فَكَانَتْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ أَوَّلَ مَا يَدْخُلُ بِهِ الْمَرْءُ فِي الْإِسْلَامِ , وَإِذَا كَانَتْ آخِرَ مَا يَخْرُجُ بِهِ الْمُسْلِمُ مِنْ الدُّنْيَا دَخَلَ بِهَا الْجَنَّةَ , كَمَا قَالَ صلى الله عليه وسلم: {مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ} . . وَالْإِيمَانُ أَيْضًا بِرِسَالَةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم هُوَ إيمَانٌ بِجَمِيعِ مَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا تَتَضَمَّنُهُ