أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا} . ثُمَّ قَالَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} . ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ: يَا رَبِّ يَا رَبِّ , مَطْعَمُهُ حَرَامٌ , وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ , وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ , وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لَهُ , وَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: {إنَّ مِنْ أَطْيَبِ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ , وَإِنَّ وَلَدَهُ مِنْ كَسْبِهِ} . وَقَالَ تَعَالَى فِي دَاوُد: {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ} . وَرَوَى عُلَمَاؤُنَا أَنَّ عِيسَى كَانَ يَاكُلُ مِنْ غَزْلِ أُمِّهِ. {وَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: جُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي , وَجُعِلَتْ الذِّلَّةُ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي} . فَجَعَلَ اللَّهُ رِزْقَ مُحَمَّدٍ فِي كَسْبِهِ لِفَضْلِهِ , وَخَصَّ لَهُ أَفْضَلَ أَنْوَاعِ الْكَسْبِ , وَهُوَ أَخْذُ الْغَلَبَةِ وَالْقَهْرِ , لِشَرَفِهِ صلى الله عليه وسلم.
وقال: الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: قوله تعالى: {مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْك} [1]
وَالْمُرَادُ بِهِ الْفَيْءُ الْمَاخُوذُ عَلَى وَجْهِ الْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ الشَّرْعِيَّةِ ; وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَاكُلُ مِنْ عَمَلِهِ , وَيَطَأُ مِنْ مَلْكِ يَمِينِهِ , بِأَشْرَفِ وُجُوهِ الْكَسْبِ , وَأَعْلَى أَنْوَاعِ الْمِلْكِ , وَهُوَ الْقَهْرُ وَالْغَلَبَةُ , لَا مِنْ الصَّفْقِ بِالْأَسْوَاقِ. وَقَدْ قَالَ عليه السلام: {جُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي} .
وقد ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في الفقرة السابقة، ومن نقلنا عنه كذلك
وفي سبل السلام [2] :
(وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنه قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سَرِيَّةً) بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ (وَأَنَا فِيهِمْ قِبَلَ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ جِهَةَ (نَجْدٍ فَغَنِمُوا إبِلًا كَثِيرَةً وَكَانَتْ سُهْمَانُهُمْ) بِضَمِّ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ جَمْعُ سَهْمٍ وَهُوَ النَّصِيبُ (اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا وَنُفِلُوا بَعِيرًا بَعِيرًا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) السَّرِيَّةُ قِطْعَةٌ مِنْ الْجَيْشِ تَخْرُجُ مِنْهُ وَتَعُودُ إلَيْهِ وَهِيَ مِنْ مِائَةٍ إلَى خَمْسِمِائَةٍ , وَالسَّرِيَّةُ الَّتِي تَخْرُجُ بِاللَّيْلِ وَالسَّارِيَةُ الَّتِي تَخْرُجُ بِالنَّهَارِ , وَالْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ سُهْمَانُهُمْ أَيْ أَنْصِبَاؤُهُمْ أَيْ أَنَّهُ بَلَغَ نَصِيبُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ هَذَا الْقَدْرَ أَعْنِي اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا وَالنَّفَلُ زِيَادَةٌ يُزَادُهَا الْغَازِي عَلَى نَصِيبِهِ مِنْ الْمَغْنَمِ وَقَوْلُهُ (نُفِلُوا) مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ نَفَّلَهُمْ أَمِيرُهُمْ وَهُوَ أَبُو قَتَادَةَ , وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَظَاهِرُ رِوَايَةِ اللَّيْثِ عَنْ نَافِعٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَنَّ الْقَسْمَ وَالتَّنْفِيلَ كَانَ مِنْ أَمِيرِ الْجَيْشِ وَقَرَّرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ذَلِكَ لِأَنَّهُ قَالَ وَلَمْ يُغَيِّرْهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَأَمَّا رِوَايَةُ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَيْضًا بِلَفْظِ {وَنَفَّلَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَعِيرًا بَعِيرًا} فَقَدْ قَالَ النَّوَوِيُّ: نُسِبَ إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَمَّا كَانَ مُقَرِّرًا لِذَلِكَ وَلَكِنَّ الْحَدِيثَ عِنْدَ أَبِي دَاوُد بِلَفْظِ {فَأَصَبْنَا نِعَمًا كَثِيرًا وَأَعْطَانَا أَمِيرُنَا بَعِيرًا بَعِيرًا لِكُلِّ إنْسَانٍ ثُمَّ قَدِمْنَا إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَسَمَ بَيْنَنَا غَنِيمَتَنَا فَأَصَابَ كُلُّ رَجُلٍ اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا بَعْدَ الْخُمُسِ} فَدَلَّ عَلَى أَنَّ التَّنْفِيلَ مِنْ الْأَمِيرِ وَالْقِسْمَةَ مِنْهُ صلى الله عليه وسلم وَقَدْ جَمَعَ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ بِأَنَّ التَّنْفِيلَ كَانَ مِنْ الْأَمِيرِ قَبْلَ الْوُصُولِ إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ بَعْدَ الْوُصُولِ قَسَمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَيْنَ الْجَيْشِ وَتَوَلَّى الْأَمِيرُ قَبْضَ مَا هُوَ لِلسَّرِيَّةِ جُمْلَةً ثُمَّ قَسَمَ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِهِ , فَمَنْ نَسَبَ ذَلِكَ إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَلِكَوْنِهِ الَّذِي قَسَمَ أَوَّلًا , وَمَنْ نَسَبَ ذَلِكَ إلَى
(1) - أحكام القرآن لابن العربي - (ج 6 / ص 384)
(2) - سبل السلام - (ج 6 / ص 183)