حتمية القتال لنشر الإسلام فهو استدلال في غير موضعه، إيراد للنص في غير ما جاء فيه ولا يحتمله وإلا - على زعم هذا الكتيب - كان الحديث مناقضا للقرآن. وذلك ما لا يقول به مسلم.
قلت:
قد ذكره ابن أبي شيبة في المصنف في فضيلة الجهاد في سبيل الله
وهذا معناه عند العلماء:
فقد ذكره السرخسي في المبسوط في أول كتاب الجهاد كما في الفقرة التي قبل هذه أعلاه
وقال ابن العربي في أحكام القرآن: الْآيَةُ الثَّامِنَةُ وَالثَّلَاثُونَ قوله تعالى: {فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [1] .
سَوَّى اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي ظَاهِرِ هَذِهِ الْآيَةِ بَيْنَ مَنْ قُتِلَ شَهِيدًا أَوْ انْقَلَبَ غَانِمًا , وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: {تَكَفَّلَ اللَّهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ لَا يُخْرِجُهُ مِنْ بَيْتِهِ إلَّا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ , وَتَصْدِيقُ كَلِمَتِهِ , أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ , أَوْ يَرُدَّهُ إلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ مَعَ مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ} . فَغَايَرَ بَيْنَهُمَا , وَجَعَلَ الْأَجْرَ فِي مَحَلٍّ وَالْغَنِيمَةَ فِي مَحَلٍّ آخَرَ. وَثَبَتَ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ: {أَيُّمَا سَرِيَّةٍ أَخْفَقَتْ كَمُلَ لَهَا الْأَجْرُ , وَأَيُّمَا سَرِيَّةٍ غَنِمَتْ ذَهَبَ ثُلُثَا أَجْرِهَا} . فَأَمَّا هَذَا الْحَدِيثُ فَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَيْهِ فِي شُرُوحَاتِ الْحَدِيثِ بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ , وَلَيْسَ يُعَارِضُ الْآيَةَ كُلَّ الْمُعَارَضَةِ ; لِأَنَّ فِيهِ ثُلُثَ الْأَجْرِ , وَهَذَا عَظِيمٌ ; وَإِذَا لَمْ يُعَارِضْهَا فَلْيُؤْخَذْ تَمَامُهُ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ. وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ فَقَدْ قِيلَ فِيهِ: إنَّ"أَوْ"بِمَعْنَى الْوَاوِ ; لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَجْمَعُ لَهُ الْأَجْرَ وَالْغَنِيمَةَ , فَمَا أَعْطَى اللَّهُ الْغَنَائِمَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ مُحَاسِبًا لَهَا بِهَا مِنْ ثَوَابِهَا , وَإِنَّمَا خَصَّهَا بِهَا تَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا لَهَا ; لِحُرْمَةِ نَبِيِّهَا. قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: {جُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي} . فَاخْتَارَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ وَلِأُمَّتِهِ فِيمَا يَرْتَزِقُونَ أَفْضَلَ وُجُوهِ الْكَسْبِ وَأَكْرَمَهَا , وَهُوَ أَخْذُ الْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ. وَقِيلَ: إنَّ مَعْنَاهُ الَّذِي يَغْنَمُ قَدْ أَصَابَ [الْحَظَّيْنِ , وَاَلَّذِي يَخْفِقُ لَهُ] الْحَظُّ الْوَاحِدُ وَهُوَ الْأَجْرُ , فَأَرَادَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَقُولَ: مَعَ مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ وَحْدَهُ أَوْ غَنِيمَةٍ مَعَ الْأَجْرِ , وَاَللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَعْلَمُ.
وقال: الْآيَةُ الثَّامِنَةُ قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} . [2]
قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الطَّيِّبِ , وَتَفْسِيرُهُ بِالْحَلَالِ ; وَكَذَلِكَ فَسَّرَهُ مَالِكٌ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْعَمْرِيِّ عَنْهُ , وَقَدْ رَوَى مَالِكٌ عَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ قَالَ فِي خُطْبَتِهِ: وَعَلَيْكُمْ مِنْ الْمَطَاعِمِ بِمَا طَابَ مِنْهَا. وَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إلَّا طَيِّبًا , وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا
(1) - أحكام القرآن لابن العربي - (ج 2 / ص 415)
(2) - أحكام القرآن لابن العربي - (ج 5 / ص 463)