وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ. وَمِنْ السُّنَّةِ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: {إنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْكُمْ الْحَجَّ فَحُجُّوا} . فَرُكْنِيَّتُهُ وَوُجُوبُهُ ثَابِتَانِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ , وَهُوَ مَعْلُومٌ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ , فَمَنْ جَحَدَ ذَلِكَ فَهُوَ كَافِرٌ. وَمَنْ أَقَرَّ بِهِ وَتَرَكَهُ فَاَللَّهُ حَسْبُهُ , لَا يُتَعَرَّضُ إلَيْهِ بِشَيْءٍ , لِتَوَقُّفِهِ عَلَى الِاسْتِطَاعَةِ وَسُقُوطِهِ بِعَدَمِهَا. ر: (حَجٌّ) .
25 -اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ إذَا أَسْلَمَ الْأَبُ وَلَهُ أَوْلَادٌ صِغَارٌ , أَوْ مَنْ فِي حُكْمِهِمْ - كَالْمَجْنُونِ إذَا بَلَغَ مَجْنُونًا - فَإِنَّ هَؤُلَاءِ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِمْ تَبَعًا لِأَبِيهِمْ. وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ (الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) إلَى أَنَّ الْعِبْرَةَ بِإِسْلَامِ أَحَدِ الْأَبَوَيْنِ , أَبًا كَانَ أَوْ أُمًّا , فَيُحْكَمُ بِإِسْلَامِ الصِّغَارِ بِالتَّبَعِيَّةِ , لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ , لِأَنَّهُ دِينُ اللَّهِ الَّذِي ارْتَضَاهُ لِعِبَادِهِ. وَقَالَ مَالِكٌ: لَا عِبْرَةَ بِإِسْلَامِ الْأُمِّ أَوْ الْجَدِّ , لِأَنَّ الْوَلَدَ يَشْرُفُ بِشَرَفِ أَبِيهِ وَيَنْتَسِبُ إلَى قَبِيلَتِهِ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إلَى أَنَّ إسْلَامَ الْجَدِّ - وَإِنْ عَلَا - يَسْتَتْبِعُ الْحُكْمَ بِإِسْلَامِ الْأَحْفَادِ الصِّغَارِ وَمَنْ فِي حُكْمِهِمْ , وَلَوْ كَانَ الْأَبُ حَيًّا كَافِرًا , وَذَلِكَ لقوله تعالى: {وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: إذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ يُخَيَّرُ بَيْنَ دِينِ أَبَوَيْهِ , فَأَيَّهمَا اخْتَارَ كَانَ عَلَى دِينِهِ.
26 -يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الصَّغِيرُ إذَا سُبِيَ وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَحَدٌ مِنْ أَبَوَيْهِ , إذَا أَدْخَلَهُ السَّابِي إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ. وَكَذَلِكَ لَقِيطُ دَارِ الْإِسْلَامِ , حَتَّى لَوْ كَانَ مُلْتَقِطُهُ ذِمِّيًّا. وَكَذَلِكَ الْيَتِيمُ الَّذِي مَاتَ أَبَوَاهُ وَكَفَلَهُ أَحَدُ الْمُسْلِمِينَ , فَإِنَّهُ يَتَّبِعُ كَافِلَهُ وَحَاضِنَهُ فِي الدِّينِ , كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ ابْنُ الْقَيِّمِ. وَانْفَرَدَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ الْوَلَدَ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ إذَا مَاتَ وَاحِدٌ مِنْ أَبَوَيْهِ الذِّمِّيِّينَ , وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: {كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ , فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ} .
ثَالِثًا: الْإِسْلَامُ بِالدَّلَالَةِ:
27 -قَالَ ابْنُ نُجَيْمٍ: الْأَصْلُ أَنَّ الْكَافِرَ مَتَى فَعَلَ عِبَادَةً فَإِنْ كَانَتْ مَوْجُودَةً فِي سَائِرِ الْأَدْيَانِ لَا يَكُونُ بِهَا مُسْلِمًا , كَالصَّلَاةِ مُنْفَرِدًا , وَالصَّوْمِ , وَالْحَجِّ الَّذِي لَيْسَ بِكَامِلٍ , وَالصَّدَقَةُ , وَمَتَى فَعَلَ مَا اخْتَصَّ بِشَرْعِنَا , وَلَوْ مِنْ الْوَسَائِلِ كَالتَّيَمُّمِ. وَكَذَلِكَ مَا كَانَ مِنْ الْمَقَاصِدِ أَوْ مِنْ الشَّعَائِرِ , كَالصَّلَاةِ بِجَمَاعَةٍ وَالْحَجِّ الْكَامِلِ وَالْأَذَانِ فِي الْمَسْجِدِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ , يَكُونُ بِهِ مُسْلِمًا , وَإِلَيْهِ أَشَارَ فِي الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ. وَقَدْ اعْتَبَرَ الْفُقَهَاءُ جُمْلَةً مِنْ الْأَفْعَالِ تَقُومُ دَلَالَةً عَلَى كَوْنِ الشَّخْصِ مُسْلِمًا , وَلَوْ لَمْ يُعْرَفْ عَنْهُ النُّطْقُ بِالشَّهَادَتَيْنِ. أ - (الصَّلَاةُ) 28 - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِ الْكَافِرِ بِفِعْلِ الصَّلَاةِ. لَكِنْ قَالَ الْحَنَابِلَةُ: يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ بِالصَّلَاةِ سَوَاءٌ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ دَارِ الْإِسْلَامِ , وَسَوَاءٌ صَلَّى جَمَاعَةً أَوْ فَرْدًا , فَإِنْ أَقَامَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى الْإِسْلَامِ , وَإِلَّا فَهُوَ مُرْتَدٌّ تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْمُرْتَدِّينَ. وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ ظُهُورِ مَا يُنَافِي الْإِسْلَامَ فَهُوَ مُسْلِمٌ , يَرِثُهُ وَرَثَتُهُ الْمُسْلِمُونَ دُونَ الْكَافِرِينَ , وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: إنِّي نُهِيتُ