ثم يمضي السياق يصور في مشهد حسي حي متحرك طريق الهدى وطريق الضلال ; وكيف يكون الهدى وكيف يكون الضلال. . يصور كيف يأخذ الله - ولي الذين آمنوا - بأيديهم , فيخرجهم من الظلمات إلى النور. بينما الطواغيت - أولياء الذين كفروا - تأخذ بأيدهم فتخرجهم من النور إلى الظلمات!
إنه مشهد عجيب حي موح. والخيال يتبع هؤلاء وهؤلاء , جيئة من هنا وذهابا من هناك. بدلا من التعبير الذهني المجرد , الذي لا يحرك خيالا , ولا يلمس حسا , ولا يستجيش وجدانا , ولا يخاطب إلا الذهن بالمعاني والألفاظ.
فإذا أردنا أن ندرك فضل طريقة التصوير القرآنية , فلنحاول أن نضع في مكان هذا المشهد الحي تعبيرا ذهنيا أيا كان. لنقل مثلا: الله ولي الذين آمنوا يهديهم إلى الإيمان. والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يقودونهم إلى الكفران. . إن التعبير يموت بين أيدينا , ويفقد ما فيه من حرارة وحركة وإيقاع!
إن بعض المغرضين من أعداء الإسلام يرمونه بالتناقض ; فيزعمون أنه فرض بالسيف , في الوقت الذي قرر فيه: أن لا إكراه في الدين. . أما بعضهم الآخر فيتظاهر بأنه يدفع عن الإسلام هذه التهمة ; وهو يحاول في خبث أن يخمد في حس المسلم روح الجهاد ; ويهون من شأن هذه الأداة في تاريخ الإسلام وفي قيامه وانتشاره. ويوحي إلى المسلمين - بطريق ملتوية ناعمة ماكرة - أن لا ضرورة اليوم أو غدا للاستعانة بهذه الأداة! وذلك كله في صورة من يدفع التهمة الجارحة عن الإسلام!. .
وهؤلاء وهؤلاء كلاهما من المستشرقين الذين يعملون في حقل واحد في حرب الإسلام , وتحريف منهجه , وقتل إيحاءاته الموحية في حس المسلمين , كي يأمنوا انبعاث هذا الروح , الذي لم يقفوا له مرة في ميدان!
والذي آمنوا واطمأنوا منذ أن خدروه وكبلوه بشتى الوسائل , وكالوا له الضربات الساحقة الوحشية في كل مكان!
وألقوا في خلد المسلمين أن الحرب بين الاستعمار وبين وطنهم ليست حرب عقيدة أبدا تقتضي الجهاد! إنما هي فقط حرب أسواق وخامات ومراكز وقواعد. .
ومن ثم فلا داعي للجهاد!
لقد انتضى الإسلام السيف , وناضل وجاهد في تاريخه الطويل. لا ليكره أحدا على الإسلام ولكن ليكفل عدة أهداف كلها تقتضي الجهاد.
جاهد الإسلام أولا ليدفع عن المؤمنين الأذى والفتنة التي كانوا يسامونها ; وليكفل لهم الأمن على أنفسهم وأموالهم وعقيدتهم. وقرر ذلك المبدأ العظيم الذي سلف تقريره في هذه السورة - في الجزء الثاني - (والفتنة أشد من القتل) . . فاعتبر الاعتداء على العقيدة والإيذاء بسببها , وفتنة أهلها عنها أشد من
(1) - في ظلال القرآن - (ج 1 / ص 273)