فهرس الكتاب

الصفحة 81 من 678

وقال السعدي[1]:

هذا بيان لكمال هذا الدين الإسلامي وأنه لكمال براهينه واتضاح آياته وكونه هو دين العقل والعلم ودين الفطرة والحكمة ودين الصلاح والإصلاح ودين الحق والرشد فلكماله وقبول الفطرة له لا يحتاج إلى الإكراه عليه لأن الإكراه إنما يقع على ما تنفر عنه القلوب ويتنافى مع الحقيقة والحق أو لما تخفى براهينه وآياته وإلا فمن جاءه هذا الدين ورده ولم يقبله فإنه لعناده فإنه قد تبين الرشد من الغي فلم يبق لأحد عذر ولا حجة إذا رده ولم يقبله ولا منافاة بين هذا المعنى وبين الآيات الكثيرة الموجبة للجهاد فإن الله أمر بالقتال ليكون الدين كله لله ولدفع اعتداء المعتدين على الدين وأجمع المسلمون على أن الجهاد ماض مع البر والفاجر وأنه من الفروض المستمرة الجهاد القولي الفعلي فمن ظن من المفسرين أن هذه الآية تنافي آيات الجهاد فجزم بأنها منسوخة فقوله ضعيف لفظا ومعنى كما هو واضح بين لمن تدبر الآية الكريمة كما نبهنا عليه ثم ذكر الله انقسام الناس إلى قسمين قسم آمن بالله وحده لا شريك له وكفر بالطاغوت وهو كل ما ينافي الإيمان بالله من الشرك وغيره فهذا قد استمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها بل هو مستقيم على الدين الصحيح حتى يصل به إلى الله وإلى دار كرامته ويؤخذ القسم الثاني من مفهوم الآية أن من لم يؤمن بالله بل كفر به وآمن بالطاغوت فإنه هالك هلاكا أبديا ومعذب عذابا سرمديا وقوله والله سميع أي لجميع الأصوات باختلاف اللغات على تفنن الحاجات وسميع لدعاء الداعين وخضوع المتضرعين عليم بما أكنته الصدور وما خفي من خفايا الأمور فيجازى كل أحد بحسب ما يعلمه من نياته وعمله

وفي ظلال القرآن [2] :

إن قضية العقيدة - كما جاء بها هذا الدين - قضية اقتناع بعد البيان والإدراك ; وليست قضية إكراه وغصب وإجبار.

ولقد جاء هذا الدين يخاطب الإدراك البشري بكل قواه وطاقاته. يخاطب العقل المفكر , والبداهة الناطقة , ويخاطب الوجدان المنفعل , كما يخاطب الفطرة المستكنة. يخاطب الكيان البشري كله , والإدراك البشري بكل جوانبه ; في غير قهر حتى بالخارقة المادية التي قد تلجيء مشاهدها الجاء إلى الإذعان , ولكن وعيه لا يتدبرها وإدراكه لا يتعقلها لأنها فوق الوعي والإدراك.

وإذا كان هذا الدين لا يواجه الحس البشري بالخارقة المادية القاهرة , فهو من باب أولى لا يواجهه بالقوة والإكراه ليعتنق هذا الدين تحت تأثير التهديد أو مزاولة الضغط القاهر والإكراه بلا بيان ولا إقناع ولا اقتناع.

وكانت المسيحية - آخر الديانات قبل الإسلام - قد فرضت فرضا بالحديد والنار ووسائل التعذيب والقمع التي زاولتها الدولة الرومانية بمجرد دخول الإمبراطور قسطنطين في المسيحية. بنفس الوحشية

(1) - تفسير السعدي - (ج 1 / ص 954)

(2) - في ظلال القرآن - (ج 1 / ص 270)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت