والقسوة التي زاولتها الدولة الرومانية من قبل ضد المسيحيين القلائل من رعاياها الذين اعتنقوا المسيحية اقتناعا وحبا!
ولم تقتصر وسائل القمع والقهر على الذين لم يدخلوا في المسيحية ; بل إنها ظلت تتناول في ضراوة المسيحيين أنفسهم الذين لم يدخلوا في مذهب الدولة ; وخالفوها في بعض الاعتقاد بطبيعة المسيح!
فلما جاء الإسلام عقب ذلك جاء يعلن - في أول ما يعلن - هذا المبدأ العظيم الكبير:
(لا إكراه في الدين. قد تبين الرشد من الغي) . .
وفي هذا المبدأ يتجلى تكريم الله للإنسان ; واحترام إرادته وفكره ومشاعره ; وترك أمره لنفسه فيما يختص بالهدى والضلال في الاعتقاد وتحميله تبعة عمله وحساب نفسه. .
وهذه هي أخص خصائص التحرر الإنساني. .
التحرر الذي تنكره على الإنسان في القرن العشرين مذاهب معتسفة ونظم مذلة ; لا تسمح لهذا الكائن الذي كرمه الله - باختياره لعقيدته - أن ينطوي ضميره على تصور للحياة ونظمها غير ما تمليه عليه الدولة بشتى أجهزتها التوجيهية , وما تمليه عليه بعد ذلك بقوانينها وأوضاعها ; فإما أن يعتنق مذهب الدولة هذا - وهو يحرمه من الإيمان باله للكون يصرف هذا الكون - وإما أن يتعرض للموت بشتى الوسائل والأسباب!
إن حرية الاعتقاد هي أول حقوق"الإنسان"التي يثبت له بها وصف"إنسان". فالذي يسلب إنسانا حرية الاعتقاد , إنما يسلبه إنسانيته ابتداء. .
ومع حرية الاعتقاد حرية الدعوة للعقيدة , والأمن من الأذى والفتنة. . وإلا فهي حرية بالاسم لا مدلول لها في واقع الحياة.
والإسلام - وهو أرقى تصور للوجود وللحياة , وأقوم منهج للمجتمع الإنساني بلا مراء - هو الذي ينادي بأن لا إكراه في الدين ; وهو الذي يبين لأصحابه قبل سواهم أنهم ممنوعون من إكراه الناس على هذا الدين. .
فكيف بالمذاهب والنظم الأرضية القاصرة المعتسفة وهي تفرض فرضا بسلطان الدولة ; ولا يسمح لمن يخالفها بالحياة ?!
والتعبير هنا يرد في صورة النفي المطلق: (لا إكراه في الدين) . . نفي الجنس كما يقول النحويون.
أي نفي جنس الإكراه. نفي كونه ابتداء. فهو يستبعده من عالم الوجود والوقوع. وليس مجرد نهي عن مزاولته. والنهي في صورة النفي - والنفي للجنس - أعمق إيقاعا وآكد دلالة.
ولا يزيد السياق على أن يلمس الضمير البشري لمسة توقظه , وتشوقه إلى الهدى , وتهديه إلى الطريق ,وتبين حقيقة الإيمان التي اعلن أنها أصبحت واضحة وهو يقول: (قد تبين الرشد من الغي) . .