فَأَسْلَمَ سَقَطَ عَنْهُ الضَّرْبُ وَالْقَتْلُ , وَكَانَ إسْلَامُهُ كُرْهًا , وَحُكِمَ بِصِحَّتِهِ , وَإِنَّمَا يَكُونُ الْإِكْرَاهُ الْمُسْقِطُ لِلْإِسْلَامِ إذَا كَانَ ظُلْمًا وَبَاطِلًا , مِثْلُ أَنْ يُقَالَ لِلذِّمِّيِّ [ابْتِدَاءً] مِنْ غَيْرِ جِنَايَةٍ وَلَا سَبَبٍ: أَسْلِمْ , وَإِلَّا قَتَلْتُك ; فَهَذَا لَا يَجُوزُ ; فَإِنْ أَسْلَمَ لَمْ يَلْزَمْهُ , وَجَازَ لَهُ الرُّجُوعُ إلَى دِينِهِ عِنْدَ أَمْنِهِ مِمَّا خَافَ مِنْهُ. وَإِذَا ادَّعَى الذِّمِّيُّ أَنَّهُ أُكْرِهَ بِالْبَاطِلِ لَزِمَهُ إثْبَاتُ ذَلِكَ , فَلَا حَاجَةَ إلَى ذِكْرِ الطَّوَاعِيَةِ بِوَجْهٍ وَلَا حَالٍ فِي كُلِّ كَافِرٍ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: كَانَ إسْلَامُهُ عَلَى يَدِ فُلَانٍ فَأَنَّى عَلَّقُوهَا , وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونُوا رَأَوْهُ فِي كُتُبِ الْمُخَالِفِينَ ; لِأَنَّهُمْ يَذْكُرُونَ ذَلِكَ فِي شُرُوطِهِمْ لِعِلَّةِ أَنَّهُمْ يَرَوْنَ الرَّجُلَ إذَا أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْ الرَّجُلِ كَانَ لَهُ وَلَاؤُهُ , وَذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ بِمَذْهَبٍ لَنَا. وَقَدْ بَيَّنَّا فَسَادَهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ وَغَيْرِهَا. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: اغْتَسَلَ وَصَلَّى , فَلَيْسَ يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الْعَقْدِ الْمَكْتُوبِ ; لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ وَقْتَ صَلَاةٍ , فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ وَلَا وُضُوءَ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ صَلَاةٌ. وَأَمَّا إذَا كَانَ وَقْتَ صَلَاةٍ فَيُؤْمَرُ بِالْغُسْلِ وَالصَّلَاةِ فَيَفْعَلُهُمَا , وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مَكْتُوبًا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(7115) فَصْلٌ: وَإِذَا أُكْرِهَ عَلَى الْإِسْلَامِ مَنْ لَا يَجُوزُ إكْرَاهُهُ , كَالذِّمِّيِّ وَالْمُسْتَامَنِ , فَأَسْلَمَ , لَمْ يَثْبُتْ لَهُ حُكْمُ الْإِسْلَامِ , حَتَّى يُوجَدَ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى إسْلَامِهِ طَوْعًا , مِثْلُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الْإِسْلَامِ بَعْدَ زَوَالِ الْإِكْرَاهِ عَنْهُ. فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ , فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْكُفَّارِ. وَإِنْ رَجَعَ إلَى دِينِ الْكُفْرِ , لَمْ يَجُزْ قَتْلُهُ وَلَا إكْرَاهُهُ عَلَى الْإِسْلَامِ. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ , وَالشَّافِعِيُّ , وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: يَصِيرُ مُسْلِمًا فِي الظَّاهِرِ , وَإِنْ رَجَعَ عَنْهُ قُتِلَ إذَا امْتَنَعَ عَنْ الْإِسْلَامِ لِعُمُومِ قَوْلِهِ {: أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ. فَإِذَا قَالُوهَا , عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّهَا.} وَلِأَنَّهُ أَتَى بِقَوْلِ الْحَقِّ , فَلَزِمَهُ حُكْمُهُ كَالْحَرْبِيِّ إذَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ. وَلَنَا , أَنَّهُ أُكْرِهَ عَلَى مَا لَا يَجُوزُ إكْرَاهُهُ عَلَيْهِ , فَلَمْ يَثْبُتْ حُكْمُهُ فِي حَقِّهِ , كَالْمُسْلِمِ إذَا أُكْرِهَ عَلَى الْكُفْرِ , وَالدَّلِيلُ عَلَى تَحْرِيمِ الْإِكْرَاهِ قوله تعالى: {لَا إكْرَاهَ فِي الدِّينِ} . وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الذِّمِّيَّ - إذَا أَقَامَ عَلَى مَا عُوهِدَ عَلَيْهِ - , وَالْمُسْتَامَنَ لَا يَجُوزُ نَقْضُ عَهْدِهِ , وَلَا إكْرَاهُهُ عَلَى مَا لَمْ يَلْتَزِمْهُ. وَلِأَنَّهُ أُكْرِهَ عَلَى مَا لَا يَجُوزُ إكْرَاهُهُ عَلَيْهِ , فَلَمْ يَثْبُتْ حُكْمُهُ فِي حَقِّهِ , كَالْإِقْرَارِ وَالْعِتْقِ. وَفَارَقَ الْحَرْبِيَّ وَالْمُرْتَدَّ ; فَإِنَّهُ يَجُوزُ قَتْلُهُمَا , وَإِكْرَاهُهُمَا عَلَى الْإِسْلَامِ , بِأَنْ يَقُولَ: إنْ أَسْلَمْتَ وَإِلَّا قَتَلْنَاك. فَمَتَى أَسْلَمَ , حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ ظَاهِرًا. وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ زَوَالِ الْإِكْرَاهِ عَنْهُ , فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُسْلِمِينَ ; لِأَنَّهُ أُكْرِهَ بِحَقٍّ , فَحُكِمَ بِصِحَّةِ مَا يَاتِي بِهِ , كَمَا لَوْ أُكْرِهَ الْمُسْلِمُ عَلَى الصَّلَاةِ فَصَلَّى , وَأَمَّا فِي الْبَاطِنِ , فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَبِّهِمْ , فَإِنَّ مَنْ اعْتَقَدَ الْإِسْلَامَ بِقَلْبِهِ , وَأَسْلَمَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى , فَهُوَ مُسْلِمٌ عِنْدَ اللَّهِ , مَوْعُودٌ بِمَا وُعِدَ بِهِ مَنْ أَسْلَمَ طَائِعًا , وَمَنْ لَمْ يَعْتَقِدْ الْإِسْلَامَ بِقَلْبِهِ , فَهُوَ بَاقٍ عَلَى كُفْرِهِ , لَا حَظَّ لَهُ فِي الْإِسْلَامِ , سَوَاءٌ فِي هَذَا مَنْ يَجُوزُ إكْرَاهُهُ , وَمَنْ لَا يَجُوزُ إكْرَاهُهُ , فَإِنَّ الْإِسْلَامَ لَا
(1) - الموسوعة الفقهية 1 - 45 كاملة - (ج 2 / ص 2024) والمغني - (ج 19 / ص 490)