فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 678

ففي سنن أبي داود لغيره عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ» . أَوْ «أَمِيرٍ جَائِرٍ» [1] .

وفي سنن النسائي عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- وَقَدْ وَضَعَ رِجْلَهُ فِى الْغَرْزِ أَىُّ الْجِهَادِ أَفْضَلُ قَالَ «كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ» [2] .

وفي سنن ابن ماجة عَنْ أَبِى أُمَامَةَ قَالَ عَرَضَ لِرَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- رَجُلٌ عِنْدَ الْجَمْرَةِ الأُولَى فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَىُّ الْجِهَادِ أَفْضَلُ فَسَكَتَ عَنْهُ فَلَمَّا رَأَى الْجَمْرَةَ الثَّانِيَةَ سَأَلَهُ فَسَكَتَ عَنْهُ فَلَمَّا رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ وَضَعَ رِجْلَهُ فِى الْغَرْزِ لِيَرْكَبَ قَالَ «أَيْنَ السَّائِلُ» . قَالَ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ «كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ ذِى سُلْطَانٍ جَائِرٍ» [3] .

وغير ذلك

قلت: ونحن لا ننكر جهاد النفس وأهميته، قال الإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله في الزاد [4] :

لما كان الجِهَاد ذِروةَ سَنَامِ الإسلام وقُبَّتَه، ومنازِلُ أهله أعلى المنازل في الجنة، كما لهم الرَّفعةُ في الدنيا، فهم الأَعْلَوْنَ في الدنُّيَا والآخِرةِ، كان رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في الذَّروةِ العُليا منه، واسْتولى على أنواعه كُلَّها فجاهد في اللَّهِ حقَّ جهاده بالقلب، والجَنانِ، والدَّعوة، والبيان، والسيفِ، والسِّنَانِ، وكانت ساعاته موقوفةً على الجهاد، بقلبه، ولسانه، ويده. ولهذا كان أرفعَ العَالَمِينَ ذِكرًا، وأعظمَهم عند الله قدرًا.

وأمره الله تعالى بالجِهاد مِن حينَ بعثه، وقال: {وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِى كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيرًا * فَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا} [الفرقان: 51 - 52] ، فهذه سورة مكية أمر فيها بجهاد الكفار، بالحُجة، والبيان، وتبليغِ القرآن، وكذلكَ جهادُ المنافقِينَ، إنما هو بتبليغ الحُجَّة، وإلا فهم تحت قهر أهلِ الإسلام، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّنبِىُّ جَاهِدِ الكُفَّارَ وَالمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ، وَمَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ، وَبِئْسَ المَصِيرُ} [التوبة: 73] . فجهادُ المنافقين أصعبُ مِن جهاد الكفار، وهو جهادُ خواصِّ الأمة، وورثةِ الرُّسل، والقائمون به أفرادٌ في العالَم، والمشارِكُون فيه، والمعاونون عليه، وإن كانوا هُم الأقلين عددًا، فهم الأعظمون عند الله قدرًا.

ولما كان مِن أفضل الجهاد قولُ الحقِّ مع شدة المُعارِضِ، مثلَ أن تتكلم به عند مَن تُخاف سَطوتهُ وأذاه، كان للِرسلِ صلواتُ الله عليهم وسلامُهُ مِن ذلك الحظُّ الأوفَرُ، وكان لنبينا صلواتُ الله وسلامُه عليه من ذلك أكملُ الجهاد وأتمُّه.

(1) - سنن أبى داود برقم (4346) وهو صحيح

(2) - سنن النسائى برقم (4226) وهو صحيح

(3) - برقم (4148) وهو حسن

(4) - زاد المعاد - (ج 3 / ص 5)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت