فهرس الكتاب
فالآية عامةً على هذا قال ابن مسعود، والحسن: هي عامة في كل من لم يحكم بما أنزل الله من المسلمين واليهود والكفّار، أي معتقدًا ذلك ومستحلًا له.
فأما من فعل ذلك، وهو معتقد أنه مرتكب محرمٍ فهو من فساق المسلمين وأمره إلى الله تعالى إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له.
وقال ابن عباس في رواية: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ الله} فقد فعل فعلًا يضاهي أفعال الكفّار، وقيل: أي ومن لم يحكم بجميع ما أنزل الله فهو كافر فأما من حكم بالتوحيد، ولم يحكم ببعض الشرائع فلا يدخل في هذه الآية، والصحيح الأول إلا أن الشعبي قال: هي في اليهود خاصة، واختاره النحاس قال: ويدل على ذلك على ثلاثة أشياء. منها أن اليهود قد ذكروا قبل هذا في قوله تعالى {لِلَّذِينَ هَادُوا} [المائدة: 44] فعاد الضمير عليهم.
ومنها أن سياق الكلام يدل على ذلك. ألا ترى أن بعده {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ} [المائدة: 45] ، فهذا الضمير لليهود بإجماع. وأيضًا فإن اليهود هم الذين أنكروا الرجم والقصاص، فإن قال قائل «من» إذا كانت للمجازاة فهي عامة إلا أن يقع دليل على تخصيصها قيل له: «من» هنا بمعنى الذي، مع ما ذكرناه من الأدلة والتقرير: واليهود الذين لم يحكموا بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون، فهذا من أحسن ما قيل في هذا.
ويروى أن حذيفة سئل عن هذه الآيات، أهي في بني إسرائيل، فقال: نعم هي فيهم، ولتسلكن سبيلهم حذو النعل بالنعل، وقيل: {الكافرون} للمسلمين، و {الظالمون} لليهود و {الفاسقون} للنصارى، وهذا اختيار أبي بكر بن العربي، قال: لأنه ظاهر الآيات، وهو اختيار ابن عباس، وجابر بن زيد، وابن أبي زائدة، وابن شبرمة والشعبي أيضًا. قال طاوس وغيره: ليس بكفر ينقل عن الملة، ولكنه كفر دون كفر.
وهذا يختلف إن حكم بما عنده على أنه من عند الله فهو تبديل له يوجب الكفر. وإن حكم به هوى ومعصية فهو ذنب تدركه المغفرة على أصل أهل السنة في الغفران للمذنبين. قال القشيري: ومذهب الخوارج أن من ارتشى، وحكم بحكم غير الله فهو كافر، وعزا هذا إلى الحسن والسدي، وقال الحسن أيضًا: أخذ الله على الحكام ثلاثة أشياء: ألا يتبعوا الهوى، وألا يخشوا الناس ويخشوه، وألا يشتروا بآياته ثمنًا قليلًا، انتهى كلام القرطبي.
قال مقيده عفا الله عنه: الظاهر المتبادر من سياق الآيات أن آية {هُمُ الكافرون} نازلة في المسلمين، لأنه تعالى قال قبلها مخاطبًا لمسلمي. هذه الأُمة {فَلاَ تَخْشَوُا الناس واخشون وَلاَ تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا} [المائدة: 44] ، ثم قال: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ الله فأولئك هُمُ الكافرون} فالخطاب للمسلمين كما هو ظاهر متبادر من سياق الآية، وعليه فالكفر إما كفر دون كفر، وإما أن يكون فعل ذلك مستحلًا له، أو قاصدًا به جحد أحكام الله وردها مع العلم بها.