فهرس الكتاب

الصفحة 131 من 678

لتحكيم ما أنزل الله , ويحرفون الكلم عن مواضعه , لموافأة أهواء ذوي السلطان على حساب كتاب الله. .

(ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) . .

بهذا الحسم الصارم الجازم. وبهذا التعميم الذي تحمله (من) الشرطية وجملة الجواب. بحيث يخرج من حدود الملابسة والزمان والمكان , وينطلق حكما عاما , على كل من لم يحكم بما أنزل الله , في أي جيل , ومن أي قبيل. .

والعلة هي التي أسلفنا. .

هي أن الذي لا يحكم بما أنزل الله , إنما يرفض ألوهية الله. فالألوهية من خصائصها ومن مقتضاها الحاكمية التشريعية. ومن يحكم بغير ما أنزل الله , يرفض ألوهية الله وخصائصها في جانب , ويدعي لنفسه هو حق الألوهية وخصائصها في جانب آخر. .

وماذا يكون الكفر إن لم يكن هو هذا وذاك ? وما قيمة دعوى الإيمان أو الإسلام باللسان , والعمل - وهو أقوى تعبيرا من الكلام - ينطق بالكفر أفصح من اللسان ?!

إن المماحكة في هذا الحكم الصارم الجازم العام الشامل , لا تعني إلا محاولة التهرب من مواجهة الحقيقة. والتأويل والتأول في مثل هذا الحكم لا يعني إلا محاولة تحريف الكم عن مواضعه. .

وليس لهذه المماحكة من قيمة ولا أثر في صرف حكم الله عمن ينطبق عليهم بالنص الصريح الواضح الأكيد.

وبعد بيان هذا الأصل القاعدي في دين الله كله , يعود السياق , لعرض نماذج من شريعة التوراة التي أنزلها الله ليحكم بها النبيون والربانيون والأحبار للذين هادوا - بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء: (وكتبنا عليهم فيها: أن النفس بالنفس , والعين بالعين , والأنف بالأنف , والأذن بالأذن , والسن بالسن , والجروح قصاص) . .

وقد استبقيت هذه الأحكام التي نزلت بها التوراة في شريعة الإسلام , وأصبحت جزءا من شريعة المسلمين , التي جاءت لتكون شريعة البشرية كلها إلى آخر الزمان. وإن كانت لا تطبق إلا في دار الإسلام , لاعتبارات عملية بحتة ; حيث لا تملك السلطة المسلمة أن تطبقها فيما وراء حدود دار الإسلام. وحيثما كان ذلك في استطاعتها فهي مكلفة تنفيذها وتطبيقها , بحكم أن هذه الشريعة عامة للناس كافة , للأزمان كافة , كما أرادها الله.

وقد أضيف إليها في الإسلام حكم آخر في قوله تعالى: (فمن تصدق به فهو كفارة له) . .

ولم يكن ذلك في شريعة التوارة. إذ كان القصاص حتما ; لا تنازل فيه , ولا تصدق به , ومن ثم فلا كفارة. .

ويحسن أن نقول كلمة عن عقوبات القصاص هذه على قدر السياق في الظلال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت