فهرس الكتاب
وقال عن كثير من الكفار بأنّهم كانوا {يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} {وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ} و {وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ} وكل ذلك لم ينفعهم لأنّهم نقضوا أمرًا بينًا ظاهرًا أقام الله عليه حجّته البالغة وأرسل من أجله جميع رسله ولو كان خطأهم وانحرافهم حصل في أمر غامض ملتبس وكان عندهم أصل الإسلام لكان حالهم فيه على غير هذا [1]
والكلام في هذا الباب يطول وقد فصّل فيه أهل العلم ولنا فيه مُصنَّف سمّيناه (الفرق المبين بين العذر بالجهل والإعراض عن الدين) يسّر الله طبعه لكن في هذا القدر في هذا المحل كفاية لمن أراد الهداية.
الشبهة السادسة -الإكراه والاستضعاف والرزق والمصلحة
قالوا: إنّ كثيرًا من هؤلاء العساكر لا يحبّون الطاغوت بل منهم من يكفر به يبرأ من قانونه الوضعي وهم في قلوبهم يبغضون الطاغوت لكنّهم يعتذرون بالرزق والراتب وأنّه لم يبق لبعضهم إلا سنوات قليلة على التقاعد.
وربما ذكروا الاستضعاف والإكراه وبعضهم يرى أنّ في عمله هذا مصلحة للإسلام وخدمة للمسلمين.
والجواب: أن نقول إنّ الفرق بين أهل السنّة وغيرهم من أهل الزيغ والضلال: أنّ الإيمان عند أهل السنّة اعتقاد بالجنان وقول باللِّسان وعمل بالجوارح والأركان وليس هو فقط اعتقاد بالقلب باطنا.
فالكفر بالطاغوت لا بد أن يكون ظاهرًا وباطنًا ولذلك كنّا مطَالبين في شريعتنا بالأخذ بالظاهر وعدم البحث عن الغيب الذي في القلوب والذي لا يعلمه إلاّ الله.
فالمنافق إذا أبطن الكفر وبغض الشريعة لكنّه أظهر لنا الإيمان بالله والكفر بالطاغوت والتزام شعائر الإسلام الظاهرة ولو كان ذلك عنده خوفًا من سلطان الإسلام فإنّنا مطالَبون بمعاملته بالظاهر ولا دخل لنا بباطنه.
ولذلك فإنّه يُحسب على المسلمين ويُعصم دمه وماله وحسابه في الآخرة على الله حيث قال تعالى {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ} والعكس بالعكس.
فكذلك من زعم أنّه مؤمن بالله في باطنه كافر بالطاغوت في قلبه وكان ظاهره مخالفًا مناقضًا لزعمه بأن صار من عساكر الشرك وأنصار الطاغوت يكثِّر سوادهم وينصر ويحرس قانونهم"الطاغوت الذي أمره الله أن يكفر به"ويتولاهم ويظاهرهم على المسلمين فإنّنا نأخذه ونحكم عليه بظاهره هذا.
(1) - يدل على ذلك حديث الرجل الذي جاء الخبر بأنه لم يعمل خيرًا قط (إلا التوحيد) فأوصى أولاده عند موته أن يحرقوه ثم يذروا رماده في البحر وقال لئن قدر الله عليّ ليعذِّبني عذابًا لا يعذبه أحدًا من العالمين فلما مات بعثه الله وقال له:"لِمَ فعلت هذا؟"قال: خشيتك يا رب. فغفر له .. وأصله في البخاري وزيادة"لم يعمل إلا التوحيد"مروية بإسناد صحيح عند أحمد وفيه دلالة على العذر بالجهل في باب الأسماء والصفات لأنّ ذلك لا يُعرف إلاّ عن طريق الرسل فهذا الرجل جهل سعة قدرة الله عزّ وجلّ وظنّ أنّ وصيّته لأولاده ستنجيه من عذاب الله فغفر له ذلك الجهل، بخلاف التوحيد الذي هو حق الله على العبيد والذي نصب الله له الأدلة العقلية والكونية وأقام عليه حجج الميثاق والفطرة وأكملها بالحجّة الرسالية لئلاّ يكون للناس على الله حجّة بعد الرسل.