فهرس الكتاب

الصفحة 181 من 678

ولشيخ الإسلام رحمه الله تعالى في ذلك فتوى سُئل فيها عن رجل من أهل السنّة سمع بمجموعة من قطّاع الطرق الذين يجتمعون على قصد الكبائر وقطع الطريق والقتل وفعل الفواحش والمنكرات، وأنّه قصد إلى هدايتهم فلم يتمكّن من ذلك بزعمه، إلا بأن عمل لهم سماعًا بدف بغناء مغني غير فاحش حتى اهتدى منهم خلق، وصار الذين كانوا لا يتورّعون عن الكبائر يتورّعون عن الصغائر والشبهات فهل طريقة هذا الشيخ جائزة ومشروعة؟!

فبيّن رحمه الله تعالى ما ملخصه،"أنّ هذه الطريقة مبتدعة وأنّ في طريقة الرسول الرحمانية غنىً عن الطرق الشيطانية"

فإنّه حتى وإن كانت النتيجة ظاهرها حسن فإنّ الغاية عند أهل الإسلام لا تبرر الوسيلة، فالنجاسة لا تزال بالنجاسة ولا يتطهّر من البول بالبول.

وكما أنّ غاية الداعية عظيمة ومطهّرة فيجب أن تكون وسائله للبلوغ إلى هذه الغاية كذلك.

ومعلوم أن أعظم مصلحة في الوجود هي التوحيد وأن أعظم مفسدة في الوجود هي الشرك فكل مصلحة تعارض تلك المصلحة فإنها مردودة وأي مفسدة أمام مفسدة الشرك فمغمورة.

فلا يحل لأحد يفهم عِظم التوحيد وخطر الشرك أن يصير مِعولًا من معاول هدم التوحيد وحارسًا من حراس الشرك والتنديد، بحجة جلب مصلحة أخرى مزعومة أو درأ مفاسد أخرى مرجوحة أياًّ كانت، ولا أن يجعل دينه كبش فداء ينحره على عتبات مصالح ودنيا الآخرين, والكلام في هذا الباب يطول وله موضعه المفصل [1] ولكن اللّبيب تكفيه منه هنا الإشارة والله المستعان.

فنقول أولًا: مادام هذا هو حكم الله فليس مهماًّ أن نعرف حكمته، وإنما المهم عند عباد الرحمن أن تنشرح له صدورهم وترضى به نفوسهم وتسلِّم له تسليمًا

ثم نقول: إنّ فوائد ذلك لا يسع هذا المقام لحصرها، ولو لم يكن فيها إلاّ تحقيق التوحيد العملي (ملّة إبراهيم) المتضمِّن للبراءة من الشرك والمشركين لكفى.

قال تعالى {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءاؤا مِّنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} فالله يدعونا للإقتداء والتّأسي بهذه القدوة الحسنة والملة العظيمة التي أهم أركانها البراءة من الشرك والمشركين والكفر بهم ومعاداتهم فكيف يحقق هذا من لا يعرف الكافر من المسلم؟؟ وممّن يتبرأ وكيف؟! قال تعالى قُلْ يأَيُّهَا

(1) - وقد هذبت فتوى شيخ الإسلام المشار إليها وقدّمت لها بمقدمة مهمّة حول الإستحسان والاستصلاح وما أدخله أهل الأهواء على الدين من هذه الأبواب من فساد كبير وسمّيتها ـ القول النّفيس في التحذير من خديعة إبليس ـ.

أخيرًا وليس آخرًا فقد سمعنا كثيرًا ممن لم يعرفوا حقيقة هذا التوحيد يقولون: ماذا تستفيدون من تكفير هؤلاء العساكر أو أولئك المخابرات ونحوهم من أنصار الطواغيت؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت