فهرس الكتاب

الصفحة 204 من 678

عِنْدَهُمْ مِنْ ذَوِي الْأَقْلَامِ وَذَاكَ أَعْظَمُ مَنْ كَانَ عِنْدَهُمْ مِنْ ذَوِي السَّيْفِ فَلْيَعْتَبِرْ الْمُؤْمِنُ بِهَذَا. وَبِالْجُمْلَةِ: فَمَا مِنْ نِفَاقٍ وَزَنْدَقَةٍ وَإِلْحَادٍ إلَّا وَهِيَ دَاخِلَةٌ فِي اتِّبَاعِ التَّتَارِ ; لِأَنَّهُمْ مِنْ أَجْهَلِ الْخَلْقِ وَأَقَلِّهِمْ مَعْرِفَةً بِالدِّينِ وَأَبْعَدِهِمْ عَنْ اتِّبَاعِهِ وَأَعْظَمِ الْخَلْقِ اتِّبَاعًا لِلظَّنِّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ. وَقَدْ قَسَّمُوا النَّاسَ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ يال رُبَاع وداشمند وطاط , أَيْ صَدِيقُهُمْ وَعَدُوُّهُمْ وَالْعَالِمُ وَالْعَامِّيُّ , فَمَنْ دَخَلَ فِي طَاعَتِهِمْ الْجَاهِلِيَّةِ وَسُنَّتِهِمْ الْكُفْرِيَّةِ كَانَ صَدِيقَهُمْ , وَمَنْ خَالَفَهُمْ كَانَ عَدُوَّهُمْ. وَلَوْ كَانَ مِنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَأَوْلِيَائِهِ , وَكُلُّ مَنْ انْتَسَبَ إلَى عِلْمٍ أَوْ دِينٍ سَمَّوْهُ"داشمند"كَالْفَقِيهِ , وَالزَّاهِدِ , وَالْقِسِّيسِ , وَالرَّاهِبِ , وَدَنَانِ الْيَهُودِ , وَالْمُنَجِّمِ , وَالسَّاحِرِ , وَالطَّبِيبِ , وَالْكَاتِبِ , وَالْحَاسِبِ , فَيُدْرِجُونَ سَادِنَ الْأَصْنَامِ فَيُدْرِجُونَ فِي هَذَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ , وَأَهْلِ الْبِدَعِ مَا لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ , وَيَجْعَلُونَ أَهْلَ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ نَوْعًا وَاحِدًا , بَلْ يَجْعَلُونَ الْقَرَامِطَةَ الْمَلَاحِدَةَ الْبَاطِنِيَّةَ الزَّنَادِقَةَ الْمُنَافِقِينَ كَالطُّوسِيِّ وَأَمْثَالِهِ , هُمْ الْحُكَّامُ عَلَى جَمِيعِ مَنْ انْتَسَبَ إلَى عِلْمٍ أَوْ دِينٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى. وَكَذَلِكَ وَزِيرُهُمْ السَّفِيهُ الْمُلَقَّبُ بِالرَّشِيدِ , يَحْكُمُ عَلَى هَذِهِ الْأَصْنَافِ وَيُقَدِّمُ شِرَارَ الْمُسْلِمِينَ كَالرَّافِضَةِ وَالْمَلَاحِدَةِ عَلَى خِيَارِ الْمُسْلِمِينَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ , حَتَّى تَوَلَّى قَضَاءَ الْقُضَاةِ مَنْ كَانَ أَقْرَبَ إلَى الزَّنْدَقَةِ وَالْإِلْحَادِ وَالْكُفْرِ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ , بِحَيْثُ تَكُونُ مُوَافِقَةً لِلْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ مِنْ الْيَهُودِ وَالْقَرَامِطَةِ , وَالْمَلَاحِدَةِ , وَالرَّافِضَةِ عَلَى مَا يُرِيدُونَهُ أَعْظَمَ مِنْ غَيْرِهِ وَيَتَظَاهَرُ مِنْ شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ بِمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ لِأَجْلِ مَنْ هُنَاكَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى إنَّ وَزِيرَهُمْ هَذَا الْخَبِيثَ الْمُلْحِدَ الْمُنَافِقَ صَنَّفَ مُصَنَّفًا مَضْمُونُهُ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رَضِيَ بِدِينِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى , وَأَنَّهُ لَا يُنْكِرُ عَلَيْهِمْ وَلَا يَذُمُّونَ , وَلَا يَنْهَوْنَ دِينَهُمْ , وَلَا يُؤْمَرُونَ بِالِانْتِقَالِ إلَى الْإِسْلَامِ وَاسْتَدَلَّ الْخَبِيثُ الْجَاهِلُ بِقَوْلِهِ: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينٌ} . وَزَعَمَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ تَقْتَضِي أَنَّهُ يَرْضَى دِينَهُمْ , وَقَالَ: وَهَذِهِ الْآيَةُ مُحْكَمَةٌ لَيْسَتْ مَنْسُوخَةً , وَجَرَتْ بِسَبَبِ ذَلِكَ أُمُورٌ , وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ هَذَا جَهْلٌ مِنْهُ , فَإِنَّ قَوْلَهُ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينٌ لَيْسَ فِيهِ مَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ دِينُ الْكُفَّارِ حَقًّا وَلَا مَرْضِيًّا لَهُ , وَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى تَبْرِئَةٍ مِنْ دِينِهِمْ , وَلِهَذَا قَالَ صلى الله عليه وسلم فِي هَذِهِ السُّورَةِ إنَّهَا بَرَاءَةٌ مِنْ الشِّرْكِ كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: {وَإِنْ كَذَّبُوك فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ} . فَقَوْلُهُ: {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينٌ} كَقَوْلِهِ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ. وَقَدْ اتَّبَعَ ذَلِكَ بِمُوجِبِهِ وَمُقْتَضَاهُ حَيْثُ قَالَ: أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ , وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ , وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ فِي هَذِهِ السُّورَةِ مَا يَقْتَضِي أَنَّهُمْ لَمْ يُؤْمَرُوا بِتَرْكِ دِينِهِمْ فَقَدْ عُلِمَ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ بِالنُّصُوصِ الْمُتَوَاتِرَةِ وَبِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ أَنَّهُ أَمَرَ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ بِالْإِيمَانِ بِهِ , وَأَنَّهُ جَاءَهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ كَافِرُونَ يَخْلُدُونَ فِي النَّارِ. وَقَدْ أَظْهَرُوا الرَّفْضَ وَمَنَعُوا أَنْ نَذْكُرَ عَلَى الْمَنَابِرِ الْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ , وَذَكَرُوا عَلِيًّا وَأَظْهَرُوا الدَّعْوَةَ لِلِاثْنَيْ عَشَرَ الَّذِينَ تَزْعُمُ الرَّافِضَةُ أَنَّهُمْ أَئِمَّةٌ مَعْصُومُونَ وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ , وَعُمَرَ , وَعُثْمَانَ: كُفَّارٌ , وَفُجَّارٌ , ظَالِمُونَ لَا خِلَافَةَ لَهُمْ , وَلَا لِمَنْ بَعْدَهُمْ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت