وإنّ لم يخطر بباله شيء وفعل ما يكفر به وقلبه مطمئن بالإيمان لم يكفر ولم تبن زوجته لا قضاءً ولا ديانةً , لأنّه تعيّن ما أكره عليه ولم يمكنه دفعه عن نفسه إذ لم يخطر بباله غيره.
ويقول الحنفيّة: إنّ الكفر محرّم في نفسه مع ثبوت الرخصة به فأثر الرخصة في تغير حكم الفعل وهو المؤاخذة , لا في تغير وصفه وهو الحرمة , لأنّ كلمة الكفر ممّا لا يحتمل الإباحة بحال فكانت الحرمة قائمةً , إلا أنّه سقطت المؤاخذة لعذر الإكراه لقوله تعالى: {إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِن بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَب مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَاب عَظِيم} .
وقال المالكيّة: لا يجوز للمكره الإقدام على الكفر إلا إذا كان الإكراه بالقتل فقط , فمن خاف على نفسه أنّ يقتل جاز له الإقدام على الكفر ما دام قلبه مطمئنًّا بالإيمان.
أمّا الإكراه بغير القتل كالضّرب وقتل الولد ونهب المال وقطع عضوٍ فلا يجوز معه الإقدام على الكفر , ولو فعل ذلك كان مرتدًّا.
وقال الشّافعيّة: يباح بالإكراه التّكلم بكلمة الكفر ما دام قلبه مطمئنًّا بالإيمان لقوله تعالى: {إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِن بِالإِيمَانِ} .
وقال الأذرعي يظهر القول بالوجوب في بعض الأحوال على بعض الأشخاص إذا كان فيه صيانة للحرم والذرّيّة وعلم منه أنّ الصّبر يؤدّي إلى استباحتهم أو استئصالهم , وقس على هذا ما في معناه أو أعظم منه.
وعند الحنابلة قال ابن قدامة: من أكره على الكفر فأتى بكلمة الكفر لم يصر كافرًا لقوله تعالى: {إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِن بِالإِيمَانِ} , ثمّ قال: من كان محبوسًا عند الكفّار ومقيّدًا عندهم في حالة خوفٍ , وقامت عليه بيّنة أنّه نطق بكلمة الكفر لم يحكم بردّته , لأنّ ذلك ظاهر في الإكراه وإن شهدت البيّنة أنّه كان آمنًا حال نطقه حكم بردّته.
ومن نطق بكلمة الكفر لإكراه وقع عليه , ثمّ زال عنه الإكراه أمر بإظهار إسلامه , فإن أظهره فهو باقٍ على إسلامه , وإن أظهر الكفر حكم أنّه كفر من حين نطق به , لأنّنا تبيّنّا بذلك أنّه كان منشرح الصّدر بالكفر من حين نطق به مختارًا له.
8 -ويتّفق الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة وهو الأصح عند الشّافعيّة على أنّ الصّبر والثّبات على الإيمان مع الإكراه ولو كان بالقتل أفضل من الإقدام على الكفر حتّى لو قتل كان مأجورًا , لما ورد أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: «قد كان من قبلكم يؤخذ الرّجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشّط بأمشاط الحديد من دون لحمه وعظمه فما يصده ذلك عن دينه» .
ومقابل الأصحّ عند الشّافعيّة أوجه:
أحدها: الأفضل الإتيان بكلمة الكفر صيانةً لنفسه.
والثّاني: إن كان من العلماء المقتدى بهم فالأفضل الثبوت.