فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 70

فقد نبه النبي صلى الله عليه وسلم على المعنى الذي كره الصدقة بجميع ماله وهو"أن يستكف الناس"أي يتعرض للصدقة فيأخذها ببطن كفه.

يقال تكفف واستكف إذا فعل ذلك.

وروى النسائي (أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى رجلا ثوبين من الصدقة، ثم حث على الصدقة فطرح الرجل أحد ثوبيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم"ألم تروا إلى هذا دخل بهيئة بذة فأعطيته ثوبين ثم قلت تصدقوا فطرح أحد ثوبيه"خذ ثوبك وانتهره) .

ولأن الإنسان إذا أخرج جميع ماله لا يأمن فتنة الفقر وشدة نزاع النفس إلى ما خرج منه فيندم فيذهب ماله ويبطل أجره ويصير كلا على الناس) الشرح الكبير4/ 114.

وقال ابن بطال رحمه الله تعالى حاكيًا خلاف العلماء رحمهم الله تعالى: (قد اختلف العلماء فيمن تصدق بماله كله في صحة بدنه وعقله.

فقالت طائفة: ذلك جائز إذا كان في صحته. واعتلوا بخبر أبى بكر حين تصدق بماله كله، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قبل ذلك ولم ينكره ولا رده، وهو قول مالك، والكوفيين، والشافعي، والجمهور.

وقال آخرون: ذلك كله مردود ولا يجوز شيء منه.

روى ذلك عن عمر بن الخطاب أنه رد على غيلان بن سلمة نساءه، وكان طلقهن، وقسم ماله على بنيه، فرد عمر ذلك كله.

وقال آخرون: الجائز من ذلك الثلث، ويرد الثلثان واعتلوا بحديث كعب بن مالك، وأن النبي صلى الله عليه وسلم رد صدقته إلى الثلث. هذا قول مكحول، والأوزاعى.

وقال آخرون: كل عطية تزيد على النصف ترد إلى النصف. روى ذلك عن مكحول.

قال الطبري: والصواب في ذلك عندنا أن صدقة المتصدق بماله كله في صحة بدنه وعقله جائزة، لإجازة النبي صلى الله عليه وسلم صدقة أبى بكر بماله كله

وإن كنت لا أرى أن يتصدق بماله كله، ولا يجحف بماله ولا بعياله، وأن يستعمل في ذلك أدب الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا} [الإسراء: 29] وأن يجعل من ذلك الثلث كما أمر الرسول كعب بن مالك وأبا لبابة.

وأما إجازته لأبى بكر الصديق، رضي الله عنه، الصدقة بماله كله، فهو إعلام منه أمته أن ذلك جائز غير مذموم ورده على كعب، وأبى لبابة ما رد، وأمره لهما بإخراج الثلث إعلام منه بموضع الاستحباب والاختيار، لا حظرا منه للصدقة بجميع المال.

والدليل على ذلك إجماع الجميع على أن لكل مالك مالا إنفاق جميعه في حاجاته، وصرفه فيما لا يحرم عليه من شهواته، فمثله إنفاق جميعه فيما فيه القربة إلى الله، إذ إنفاقه في ذلك أولى من إنفاقه في شهواته، ولذاته.

قال غيره: وأما قوله: وأما من تصدق وعليه دين، فالدين أحق أن يقضى من الصدقة والعتق والهبة، وهو رد عليه فهو إجماع من العلماء لا خلاف بينهم فيه.

وقوله: إلا أن يكون معروفا بالصبر، فيؤثر على نفسه.

فإنما يرجع هذا الاستثناء إلى قوله: من تصدق وهو محتاج. ولا يرجع إلى قوله: أو عليه دين، للإجماع الذي ذكرنا.

ومن بلغ منزلة الإيثار على نفسه، وعلم أنه يصبر على الفقر، ويصبر أهله عليه، فمباح له أن يؤثر على نفسه، ولو كان بهم خصاصة، وجائز له أن يتصدق وهو محتاج، ويأخذ بالشدة كما فعل الأنصار بالمهاجرين، وكما فعل أبو بكر الصديق، رضي الله عنه، وإن عرف أنه لا طاقة له ولا لأهله على

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت